فنون
الحراك التشكيلي الشاب في اليمن منذ العام 2004م
الخميس , 19 أغسطس 2010 م طباعة أرسل الخبر
إنفجار هائل.. أثر ضئيل!!
 
علاءالدين البردوني- روما
بعد متابعة مشبوبة بالقلق والحرص للحراك التشكيلي الشاب في اليمن، قررت أن أكتب عنه.. ولم أتوقع أبداً أنني سأكتب مقالاً نقدياً في يوم ما_ربما من باب عدم الاهتمام_ إلا أن شيئاً من الغيرة تجاه هذا الفن جز بي  في هذه المغامرة، وأعترف بأنني لست ماهراً في كتابة المقالات، لذا أستميح القارئ عذراً لأي هفوة أو زلة وأحسب مسبقاً بأنها لن تكون مقصودة، داعياً تركيز العناية على الموضوع نظراً لأهميته وحساسيته..
   بمفاجأة لم يتوقعها متابعو الفن التشكيلي في اليمن ولا فنانيه _الرواد منهم والشباب_ أحدثت صنعاء عاصمة للثقافة العربية عام 2004م انفجاراً هائلاً و كماً يُحْسَدُ عليه من التشكيليين والتشكيليات حتى أن الفعاليات والمعارض التشكيلية التي حجزت لذاك العام _في بيت الثقافة بصنعاء على سبيل المثال_ لم  يتم الانتهاء من إقامتها إلا في العام التالي 2005م، وكان المشاركون في غالبيتهم العظمى من الشباب، بعض منهم يعرض للمرة الأولى. وبذلك أصبح العام 2004 عام التشكيل بلا منازع.
   هذا من ناحية الكم، فماذا عن الكيف ؟!!
إلى الآن لم نرَ دراسة جادة لهذه الظاهرة الاستثنائية خاصة في بلد بدوي وقبلي وذي أغلبية أمية، والذي قد يجعل من انفجار تشكيلي كهذا شيئاً إيجابياً، بل مدهشاً. فهذه الظاهرة تحتاج إلى دراسة تغربل الجيد والأجود والسيئ والأسوأ من كل تلك الأعمال الفنية التي لا تحصى وتثقف الفنان وتثري ذائقته وفلسفته الجمالية، خاصة إن أراد منفذوها خوض الساحة التشكيلية بجدية.
إن ذلك الكم الهائل من الحراك والنشاط التشكيلي بين الشباب أصاب التشكيل بأثر عكسي ورجعي، أصابه بالوهن والضعف، حتى بهتت ألوانه وانحصرت مواضيعه وأشكاله بالتراث والمناظر الطبيعية والأزياء الشعبية وكذلك الرموز الأثرية والتماثيل المطبوعة على العملات النقدية الورقية وما شابه ذلك، ليصبح العمل الفني نوع من أنواع الكروت السياحية لا غير.
  لقد خيب الحراك التشكيلي الشاب رغم حجمه وتعداده كل الظنون وملأ الساحة بأشباه الفنانين.
لدرجة أن رؤية أعمال عشرة فنانين في معرض مشترك كرؤية أعمال فنان واحد دون تنوع واختلاف. نسخ واستنساخ عجيب خال من المخيلة والتخيل، فارغ من التجدد والجديد، دون طابع يميز فنان عن آخر أو جماعة عن أخرى _باستثناء القليل جدا من التشكيليين الشباب الذين عكفوا بدأب على البحث والتجريب حتى توصلوا إلى شيء من اليقين الإبداعي التشكيلي المغاير والمختلف_ لقد اختلطت الألوان بمعادلة تكرارية خاطئة مما أدى إلى انطفاء جذوتها وروعتها، ومسؤولية ذلك يتحملها التشكيليون والتشكيليات الشباب، فلقد أنشأوا حركة تشكيلية فتية مشلولة الإبداع وبطيئة التنوع، حركة تشكيلية ماتت فور ولادتها تاركة للمتابع والمتلقي خيبة وحسرة كبيرتين، يتنافس فنانوها على تنفيذ ذات المواضيع بذات الأسلوب والنمطية والروتين، مدمرين بذلك روح الفن الثائرة العشوائية الفوضوية، يرسمون بروتين الدوائر الحكومية لا بدهشة المرسم وعفوية اللطخة اللونية التي لا تؤمن بنمط ولا بمنهج محدد ومحصور. الشيء الوحيد الذي يختلف من عمل فني لآخر هو البيئة المحيطة حيث يؤدي اختلافها إلى اختلاف مناظر العمل، والوجوه والأزياء، مع الاحتفاظ بذات البلادة الفنية والتكرار.
  أعتقد بأن التشكيل في اليمن لم يكن يوما ضعيفا هزيلا هكذا... حتى عندما كان عدد المنتمين إليه لا يتجاوز العشرات.. أما الآن وقد تجاوزنا المئات بكثير، لم يعد لنا كتشكيليين ومتلقين إلا أن نحتفي بغثاء السيل المدمر.
أصبح التشكيلي مجرد حرفي محترف لا غير. خال من الثقافة الفنية، فاقدا للذائقة والفلسفة الجمالية، مدركا للشكل فقط دون الحس اللاملموس، ذاك الحس الذي يعطي للعمل الفني الحياة، وينفخ فيها الروح. وإن حاول التجريب فإنه يجرب دون بحث وتنقيح، يجرب لينتج، ويعتبر الناتج عملا فنيا هكذا كيفما اتفق، يتعامل مع التجربة بشيء من اللامبالاة، دون حنكة وذكاء، بل والأسوأ والأكثر رعبا، دون شعور، وبإحساس جامد متسخ المزج والحركة.. مجرد ذبذبة متوترة غير واثقة.
إن الفن فوضى، غضب، حب، حزن، وفرحة.
الفن ذهول لحظي مليء بالانفعالات والثورات.. ووهلة صدق واحدة قد تكفي أكثر من ألف حركة مدروسة مفتعلة..
وقبل أن نمارس الفن، ونضاجع الإبداع، يجب أن تخلو النفوس من المتوقع، من الجمود، من المفروض، واللازم..
الفن يأتي وحده دون ملاك ولا نبي.. الفن يَخْتَارُ ولا يُخْتَارْ.. الفن لعنات كثيرة، وقُبُلات أكثر..
واللامألوف عامل من عوامل نشأة العمل الفني، واللامتوقع وحي للفنان، إضافة إلى الاختلاف والثقافة والإطلاع ودراسة أعمال الآخرين واستلهامها، يرفع ويغذي ذائقة المبدع.
  إن إنعزال الفنان التشكيلي عن غيره من المبدعين في بقية المجالات، وجهله بالإنجازات التي تمت في بقية عناصر العمل الفني والنشاط الإبداعي كالأدب من شعر وسرد، والموسيقى، وعدم اهتمامه بمختلف القراءات النقدية أو الأدبية، أثر كل ذلك سلبيا على الفنان ونتاجه.
فالتشكيل وحده لا يعيش، بل يتضاءل.. والعمل الفني دون قصيدة يموت، ودون أغنية يذبل..
التشكيل فعل وتفاعل، انسجام وتكامل مع غيره من الأدوات الإبداعية..
كما أن انعزال التشكيلي عما يحيط به من عوامل  ثقافية وسياسية وحياتية له أثره السلبي كذلك. مما قد يجعل من كل هذا الكم الكبير من التشكيليين والتشكيليات مجرد أرقام فقط.
إننا على وشك أن نفقد استمرارية الطريق الإبداعي الفني الذي أسس له كبار رواد الحركة التشكيلية في اليمن من  أمثال الأستاذ الكبير والمعلم الأول هاشم علي، د.آمنة النصيري، فؤاد الفتيح، طلال النجار، جمال الحداء، مظهر نزار عبداللطيف الربيع وريمة قاسم وغيرهم الكثير ممن أشعلوا فتيل الفن وأثْرُوا وأثََّرُوا في الحراك التشكيلي الذي مازال فتيا حديث العهد في اليمن.
  لحسن الحظ فإن الحراك التشكيلي الشاب ليس خاليا من التجارب والأساليب الفنية الخلاقة التي تمكنت من الإمساك بطرف خيط إبداعي أصيل ومفارق أضفى شيئا من التنوع على التشكيل في اليمن وأثرى جماليات الرواد والحراك الإبداعي بشكل عام.
  فهلا أحصينا الأعمال الفنية الجيدة، وحصرنا تلك الأقل شأنا ؟!!
لا لنفيها، ولا لإلغائها، بل لتفعيلها وتثقيفها حتى تنضم مؤثرة إيجابا على الحراك لا سلبا.
الاختلاف أساس في الإبداع، إنما الاختلاف الفعال الصادق المثري حيوية وأسلوبية. ونظراً لكثرة عدد من يمارس التشكيل بعد فورة عام 2004م، فإن تلك الكثرة _بسلبيتها في الأداء كما نرى_ قد تغلب وتتغلب على الحراك التشكيلي اليمني، لتجعل منه _دون قصد من الزملاء الفنانين الذين قد لا يدركون مكمن الخطأ في مسيرتهم_ مجرد تلطيخ بعيد عن القيم الفنية، الأمر الذي قد يعزل اليمن عن اللحاق تشكيليا ببقية الشعوب والثقافات، بل قد يؤدي ذلك إلى تمثيل سيئ للواقع التشكيلي محليا وعربيا وعالميا.

 

 

جميع الحقوق محفوظة.. عناوين ثقافية                                             تصميم: مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي