فنون
رحلت لويز بورجوا .. صديقة العناكب الفولاذية !
الإثنين , 7 يونيو 2010 م طباعة أرسل الخبر
أحمد فاضل
ahmedfadhell@yahoo.com

لم يكن إلا ان تقول لهذه الدنيا وداعا بعد أن أعيتها سنوات العمر .

من أعمال الفنانة الراحلةرحلت اخيرا الفنانة والنحاتة العالمية " لويز بورجوا " في نيويورك عن عمر تجاوز ال98 عاما ، هي احد المع اسماء الفن المعاصر بعد اصابتها بأزمة قلبية ، وتركت لنا الفنانة الفرنسية الاصل والحاملة للجنسية الاميركية مجموعة شخصية من الاعمال خاصة العناكب الضخمة التي صنعتها من الفولاذ ومنشآت الى منحوتات اخرى وتماثيل مصنوعة من قطعة خشبية واحدة أو قطع مزجت فيها عدة مواد .

ولدت بورجوا في باريس في 25 ديسمبر / كانون الاول 1911 وكان والداها يملكان مشغلا لترميم المنسوجات ، درست في عدة اكاديميات للفنون وتابعت دروسا مع بول كولان واندريه لوت وروجيه بيسيير وغرومير وفرنان ليجيه الذي وجهها الى النحت .

في العام 1938 تزوجت من المؤرخ الاميركي المختص بشؤون الفنون روبرت غولدووتر وانتقلت معه للعيش في نيويورك حيث التقت بفنانين امثال خوان ميرو ومارسيل دوشان واندريه بورتون وعرضت اعمالها من منقوشات ولوحات وباشرت بنحت تماثيل طويلة من الخشب .

بدأت تنظيم معرض لاعمالها في الولايات المتحدة وتدرّس في عدة مؤسسات فنية إلا انها لم تحقق الشهرة إلا اعتبارا من نهاية سبعينيات القرن الماضي عندما بدأت بتصميم اعمالا تتسم بحدة اكبر ، واتخذت لها استديو في بروكلين مما حدا ب " اميركان اكاديمي اوف آرتس اند ساينسز " ان تنتخبها عضوا فيها ، وعلى الرغم من النجاحات والامجاد الكبيرة التي عرفتها طوال مراحل عملها الفني غير انها بقيت في الظل في بلدها فغابت عنها الصحافة الفرنسية سنوات مما اضطرها ان تختار عزلتها بمحض ارادتها ودون ان تطرق ابواب تلك الصحف التي كان الكثير من فناني عصرها يهرولون اليها طمعا في نشر شهرتهم دون ان يقدموا ما قدمته ، فعملت بصمت حتى خمسينيات القرن الماضي حينما وقفت الصحافة مضطرة امام بيتها لتصوير تلك المنحوتات الغريبة التي تقول عنها : ( انها تنحت من وحي حياتها وسيرتها ، فعائلتي ، منزلي ، احاسيس طفولتي ، انفعالاتي الماضية ، والدتي الضعيفة ، أبي الشرس والكريه ، هؤلاء هم ابطالي وعليهم بنيت منحوتاتي ) .

عاشت بورجوا طفولة متقلبة فالمشغل الذي كان يدار من قبل والديها اكتشفت فيه مرحها وحبورها وتلك الالوان الجميلة التي تعرفت عليها بين الاصواف وقطع القماش الساحرة ، وبين الخلافات الحادة التي كان يسودها العنف والمشاجرات بسبب خيانات والدها ، الى ان التقت ذات يوم بالمؤرخ الفني الامريكي روبرت غولدووتر الذي سرعان ما قبلته زوجا لها لتسافر معه الى اميركا غير انها لم تنسى تلك السنوات المريرة والحلوة بنفس الوقت من طفولتها التي قالت عنها : ( ترسخت هذه الذكريات اكثر في رأسي ، وهي التي اوحت لي اغلب اعمالي فحتى ذلك العنكبوت الصغير الذي بنى بيته في مخزن المشغل اوحى لي اعمالا كبيرة حاولت أن اخلده فهو احد أهم الذكريات التي لاتزول عن مخيلتي ) .

عنكبوتها الصغير جعلت منه عناكب فولاذية عملاقة نشرتها في ارجاء مختلفة من اوربا تلخص حكايتها بأنها قصيدة لوالدتها التي كانت افضل صديقة لها ، فالعنكبوت ذكي جدا وهو امتداد لديمومة الوجود - كما تعبر - ومفيد وقوي تماما مثل والدتها .

هي في كل منحوتاتها تخلق اعمالا غرائبية ، محرضة ، مخيفة ، تشبه الكوابيس احيانا ، ففي مركز بومبيدو للفنون يعرض لها قرابة 200 منحوتة تحكي قصصها الأليمة أو الدامية ، ومن اكثر اعمالها شهرة تلك المنحوتة التي تحمل عنوان " تدمير الأب " التي نحتتها عام 1974 بعد عام من وفاة زوجها مستوحاة من جانبها المظلم الذي عاشته في كنف ابوها التي تقول عنها : ( أمضيت شهورا بلا نوم بعد وفاة زوجي وانتهيت الى قرار قتل صورة الوالد في ذاكرتي عبر هذه المنحوتة لأفصل الأثنين بعضهما عن بعض ) ، وعلى الرغم من مكوثها في نيويورك وولايات اخرى وتعرفها على اعمال كبار الفنانين امثال غاسر جونس وجاكسون بولوك وويلم دي كونينغ وغيرهم ، إلا انها لم تتأثر بالتيارات التي سادت آنذاك كالبوب آرت والسوريالية والرسم المنمنم وغيرها من المدارس وبقيت تغرد خارج سربها ، فكانت لها طريقتها الخاصة واختياراتها الحرة في التقاط موضوعاتها واستخدامها الحجر والبرونز والخشب والزجاج واللاتكس والطين في صنع تلك الاعمال .

منجزها الفني اخذ طريقه للعرض في انحاء العالم بعد فوزها بجائزة البينال الذهبية في البندقية عام 1999 وبهذا خرجت من عزلتها وفتحت ابواب منزلها للقاءات الفنية ظهر كل يوم أحد في منطقة شالسي حيث تستقبل الفنانين والطلاب الذين يصلون من المانيا والسويد وايرلندا ، فتطل عليهم بثيابها الفضفاضة وحذائها الرياضي بعيدا عن اسلوب التكلف الذي عُرف عن بعض الفنانين ، في لقاءاتها تلك غالبا ما يطرح عليها سؤال حول جراحات الماضي التي تظهر على الدوام في اعمالها وعن امكانية شفائها منها تجيب : ( وحده الموت يمكن ان يوقف ذلك الألم وتلك الذكريات ) .

ومع انها حملت 70 سنة متواصلة مع الفن لكنها كانت تفاجئ عشاقه بأعمال لكائنات واجساد ترتسم على وجوه كل الذين يشاهدونها اسئلة محيرة بحاجة الى إجابات ، لكن بورجوا رحلت تاركة لنا في عمق اعمالها اجابات واضحة علنا نتلمس ما كانت تقوله فيها .

 

جميع الحقوق محفوظة.. عناوين ثقافية                                             تصميم: مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي