فنون
الإحتجاج الصامت
الجمعة , 28 مايو 2010 م طباعة أرسل الخبر

قراءة في التأسيس الأول للتمرد الفني التشكيلي الحديث

ريان الشيباني *


يبدأ احتفالنا بالفن، من كونه الاحتجاج الصامت لأشكال الحياة التي قد ننظر إليها على أنها تعيش أو تقطن في الهامش، ويأتي هذا الاحتجاج على شكل تدميري بمعناه التحولي الثقافي، إلى درجة أن الهامش نفسه يتم تدميره من الداخل بأنساق قد لا نعيها في كثير من الأحيان و لا نلحظها إلا في سياقات تراتبية يجب ملاحقتها تاريخياً وثقافياً.
ويتم إدارة هذه المنطلقات من كون الاحتجاج يتعلق بشيئين: أحدهما الثورة على الأشكال والخطوط المتعلقة بمفهوم الفن بمعناه المجرد، أو ما كان يسمى بالفن للفن، والآخر يحاول التمرد على شكل حياتي، هو في الأخير ردود أفعال انعكاسية لمكنونات تسوقها عوامل مختلفة بأفعال كالحروب، و تحالفات إيديولوجية تأخذ أحياناً أنماطاً قمعية.
إن الاحتجاج بمعناه الفني المجرد برز بقوة مع ظهور الفنان الفرنسي بول سيزان، ويسمي النقاد هذه المرحلة بمرحلة التحويلية الحديثة، فهندسة الأشكال حلت بدلاً من التنميق الواضح الذي أخذته الخطوط في مرحلة سابقة من تاريخ الفن، وخاصة الانطباعي، كما أن اللوحة برزت في عصر سيزان كنقد واضح للطبيعة في مقابل التجسيد في أعمال من سبقوه كالفنان فان جوخ مثلاً، ولهذا ظهرت الخطوط اللونية قاتمة ومكتنزة كسرت معها “تابوهات” الأبعاد والظلال وألقت بنظرية الرومانسية الفنية جانباً.. ودفع بول سيزان ثمنها غالياً.
منع الفنان من إقامة أي معرض تشكيلي له، وقاده فنه إلى التصادم مع أقرب المقربين إليه الروائي إميل زولا بعد إن جسده الأخير في إحدى رواياته على أنه الفنان اليائس والمحبط، والفاشل أيضاً، اعتزل بعده الفنان سيزان الحياة العامة، وكتب عدة مقالات هاجم فيها زملاءه التأثيريين.
وكما قال عنه الناقد الفني المعروف «هربرت ريد» فإن سيزان يظل بنظر الحداثيين الرائد الحقيقي للفن الحديث، وذلك لرؤيته العالم موضوعاً عقلياً فقط بلا أي غموض سواءً كان منظراً طبيعياً أم تفاحة أم إنسانا دون أي تدخل في العقل المهذب أو الانفعال الأهوج.
وكانت المدرسة الانطباعية التي قام على هدم مبادئها الفنان بول سيزان قد جنحت هي الأخرى إلى الحواس الخارجية ودورها، لتلخيص مشاهد الطبيعة،و تم رفض الوجه الفكري في فلسفة الرؤية لخلق نمط لوني انطباعي، يقول الكاتب موريس سيرولا: إن الانطباعيين استبعدوا حدود الشكل وإبعاد الحجم، ولم تعد رئاية المنظور عندهم مستندة إلى قواعد هندسية، وإنما تحقيقها يتم من مقدمة اللوحة حتى خط الأفق البعيد فيها.
ويعزى الفضل الكبير لسيزان في كونه الوحيد الذي تجرأ على الانتقال بالفن التشكيلي، أما مرحلة ما بعد سيزان فلم تكن صدامية بالشكل التحولي المعروف، وإنما أصبحت كل مدرسة بمثابة امتداد لمدارس أخرى، ومن هنا نشأت التكعيبية ثم التجريدية.
فالتجريدية أكملت الوجه الحداثي الذي ابتدأه التكعيبيون بإحالة الموضوع إلى أبعاد مختلفة ـ بالرغم من وجود مسلك لا ينتمي للتكعيبية كامتداد ـ بعدما كان مركوناً لبعد ثالث متمثل بالعمق وأصبحت اللوحة التشكيلية تنتمي إلى بعد بصري أكمل من المركز ناتج عن تفاعلات اللون بفعل صدامي مع التقليد، وكذلك مع الصورة النمطية التي تخلق الفن لصالح النفعية الحياتية، ومن هنا كانت الصورة الصادقة لمحاكاة الفطرة والحدس.
أما الاشتغالات الحديثة فتنظر كثيراً في الخامة اللونية وإدخال وسائط الكولاج وثيمات أخرى كقصاصات الورق، أو يأخذ الاحتجاج على الأشكال الرتيبة صيغ أخرى، وهذه الصيغ تتمركز حول طريقة عرض اللوحات والإضاءة وأماكن العرض، وتعتبر بمجملها من الأساليب الاحتجاجية الحياتية.
ومن التجارب الفردية الوحيدة يمكن أن نقول بأن تجربة الفنان الأمريكي الأصل جاكسون بلوك هي الأكثر صدقية في الثورية الناتجة لصالح الفن وأغراضه، فهذا الفنان يختصر الطريق إلى اللوحة فلا يبدأ من مسودات أو نقاط انطلاق أو تخطيطات مسبقة، فهو يعتبر بأن اللوحة تولد مباشرة، وكما يقول فهو لا يريد أن يرسم، بقدر مايريد أن يعبر وعندما يرسم تتكون لديه انطباعات عما يمكن أن يفعل، وهكذا يستطيع ان يسيطر على تدفق اللوحة، فليس ثمة مصادفة، وإنما يبدو الأمر كما لو انه ليس هناك بداية أو نهاية.
وفي فترة سابقة كنت قد كتبت بأن الفنان الأمريكي جاكسون بولوك، النمو الطبيعي للحاجة وتطورها، والبيان الأول للحركة والجدل، عندما تكون أمام أحد أعماله لابد وأن تكون يقظاً.
قادت الشياطين حياة هذا الفنان إلى الموت بعدد مرارة الإدمان، وقبلها كان قد كتب عنه ساندي بعد أن غادره: «إنه في حالة صعبة من التعقيد النفسي، رسوماته معقدة، وجودتها غريبة»، ولذا ظهرت أعماله ذات طابع ديناميكي بالغ، هجر معها الرسم التكعيبي والسريالي وأستخدم زيت طلاء السفن في محاولة لكسر التقليد، و أسلوب الصب والتقطير لتحقيق آثاره الفنية التلقائية. وهو الفنان الوحيد الذي انقلب على الريشة لصالح العصا في الرسم بمترادفات فيزيائية جميلة ، ويعتبر بلوك هذا النمط من الفن عملية جمالية قادها ضد نفسه، تحول عنده المزاج من التركيز الخالص للشكل إلى التخلي عن الألوان في سلسلة من الأعمال الصارخة السوداء ، ولاقى الكثير من المعجبين، “سأعمل منطلقاً من الوعي”، و وأوضح أيضاً”لابد أن تظهر الأرقام”.
في الجانب الآخر، نشأ أسلوب الاحتجاج في الفن كواقع معاش، واتسم هذا القسم من الاحتجاج بالمؤسساتية، حيث نشأت مدرستان يحسب لهما الكثير في تاريخ الفن، كانت المدرسة الأولى هي باوهاوس، ورغم أن هذه المدرسة نشأت قبل الحرب العالمية الثانية إلا أن طابعها الكوني أدى إلى إقفالها على يد الزعيم النازي أدولف هتلر، والطريف أن الذي أنشأ هذه المدرسة هو المهندس المعماري الاشتراكي فالتر غروبيوس، وكما قال فإن الغرض من إنشاء هذه المدرسة هو كسر حاجز العجرفة القائم بين الفنانين والحرفيين.
واستطاعت المدرسة أن تردم الهوة بين الجانب الحرفي والفني، فتم إنشاء تصاميم غاية في الروعة بالاعتماد على فن الجرافيك، إن ما يحسب لمدرسة باوهاوس هو تهيئة المناخ بين الحرفيين والفنانين لخلق جو من المحادثة والتقابل، اشترك فيها الحرفي والمصنع والفنان مع المصمم، وأنتجت أعمال فنية جديدة، اعتمدت في كثير من نتاجاتها على الشكل ومزجت التكعيبي بالتجريد، والدائري بالتكوينات اللونية المختلفة، كما استخدم الفنانون في هذه المدرسة الألوان الفطرية غير المعدلة لصناعة واقعهم الحياتي الذي لا يعرف المخاتلة.
وبعد الحرب العالمية الثانية عبثت الآلة بكل مقدرات الحياة، وفي أعقاب الصدمة أطلت برأسها حركة «الدادا» العالمية «ولم يكن هدف أصحابها إلا عرض السخف في عالم ضاعت فيه المعاني» وتحمل في طياتها من العدمية ما يجعلها تعارض نفسها وما قاله تريستان تزارا أبلغ دليل على ذلك «الدادي الحقيقي يجب أن يكون ضد الدادا».
وأبلغ تعبير احتجاجي قاله منظر هذه الحركة تريستيان تزارا خطابه الشهير:
إن دادا تشق طريقها وهي ماضية لا في التوسع بل من أجل تخريب ذاتها وهي لا تبغي أن تتوصل إلى نتيجة أو تكسب مجداً أو فائدة عبر جميع إرهاصاتها المقرفة فقد كفت نهائياً عن الكفاح لأنها تدرك أن ذلك لا يخدم غرضاً ما، دادا كانت حالتنا الذهنية الساخرة وكانت للرافضين من أمثالنا نقطة الارتكاز التي تلتقي عند نعم وعند لا، وتحتوي كل المتناقضات السائدة ولأن دادا كانت لا تؤمن بشيء فقد انتهت وانتهت لأنها لم تؤمن حتى بمبادئها.
في الأخير تبقى هناك الكثير من الحركات الاحتجاجية القائمة، والتأسيس لها يتطلب وقتاً، أي أن قراءة الأشياء لابد ان تنطلق من إطار تاريخي، على اعتبار أن الإنجاز الحقيقي يكمن في الجديد، وهذا الجديد لابد من مقارنته بالأضداد القائم على تهميشها، ومن الصعوبة بمكان التنبؤ بهذا في وقت قياسي.. هناك الكثير من الحركات الاحتجاجية الفنية في الوطن العربي، ولكنها لا ترقى إلى الدرجة التي يمكن ان يقول عنها المرء انها تحولية، بسبب إشتغالات عدة، فرضتها روح الاستعمار والهيمنة، وكذلك سلطة الإيديولوجيات التي ألقت بظلالها على التجارب الفنية، وهذا لا يعني أن الفنانين العرب لم يقوموا بمحاولات تحديثية بقدر ما يدعو إلى المزيد للخروج من قمقم التقليد.
 
* نقلا عن العدد الجديد من مجلة (انزياحات)
جميع الحقوق محفوظة.. عناوين ثقافية                                             تصميم: مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي