فنون
الفن ....وفلسفة الخط العربي
الأربعاء , 17 مارس 2010 م طباعة أرسل الخبر
  معصوم محمد خلف*

إن ما جاءت به الحضارة الإنسانية من إبداعات خلاقة إلى يومنا هذا تعود إلى العمل الدائب والمستمر الذي مارسه الإنسان منذ وجوده على الكرة الأرضية فكل ما أنتجه هو مطلب وكل ما حصل عليه من قيم حضارية ومكتشفات جاءت من خلال مواصلة العمل ولولا العمل لما استطاع أن يصل إلى هذا المستوى الحضاري الذي وصل إليه في عصرنا الحاضر .
فمنذ أقدم العصور لعبت الفنون التشكيلية على اختلاف حقولها دوراً حاسماً في المجتمعات الإنسانية فهي لم تكن المرآة التي عكست ظروف مجتمعاتها فحسب وإنما كانت ولا زالت كعامل تربوي مهم في تربية الإنسان والرفع من مستواه الفكري والثقافي .
والفن بالمعنى العام هو جملة من القواعد المتبعة لتحصيل غاية معينة، جمالا كانت أو خيرا، أو منفعة، فإذا كانت هذه الغاية هي تحقيق الجمال سمي بالفن الجميل، وإذا كانت تحقيق الخير سمي بفن الأخلاق، وإذا كانت تحقيق المنفعة سمي الفن بفن الصناعة.
والتشكيل العربي للفنون حالة ثقافية تتضمن الموروث الاجتماعي والديني والقومي في إشارات رمزية ومضامين هائلة تستوعب جميع فئات المجتمع .
وهي على جانب كبير من الأهمية لأنها النواة التي منها تنطلق الفعاليات الثقافية والفنية في إعطاء زخم هائل للبناء الثقافي والحضاري للأمة .
فالفن هي ذاكرة الأجيال وهي الحاملة لعبق الحياة من خلال ما تبوح به من الشعور بذواتنا ، والتعرف على حقيقة مشاعرنا ، فهي أشبه ما تكون بمرآة حقيقية للنفس ، تنعكس على صفحتها كل أهوائنا وعواطفنا وانفعالاتنا وأفكارنا .
و هو ترجمة حقيقية للمشاعر والوجدان التي يتم سردها إلى الآخر بصورة تتداخل فيها الكم الهائل من الأبجديات التي تكوّن مادة هامة من مواد التخاطب والتفاعل والبناء .
ونجد أن \"جويو\"يرى أن الفن نشاط \"جدي وثيق الصلة بالحياة، فلا يمكن أن تكون الأعمال الفنية مجرد مظاهر ترف أو موضوعات كمالية، بل هي ضرورات حيوية وأنشطة جادة وموضوعات نافعة، والموضوع النافع يولد بعض المشاعر الجمالية ليس لأنه نافع، بل لأنه في الوقت نفسه موضوع جميل\".
وهذا ما دفع \"جون ديوي\" إلى الربط بين النظر والتطبيق وبين الفن الجميل والفن النافع؛ إذ رأى أن أي فلسفة أو فهم للفن محكوم عليها بالفشل إذا شيدا على أساس من الثنائيات الزائفة بين الفن والطبيعة أو الفن والعلم، والفن الجميل والفن النافع.
ولكي يكشف هذه الثنائيات الزائفة رأى ضرورة المضي نحو فهم حقيقي للفن يدمج هذه الثنائيات في وحدة. وقد كان حرصه على ربط الفن بالخبرة هو الذي جعله يقيم هذه العلاقة (أو الوحدة) بين النافع والجميل على أساس أنهما يمثلان مظهرين من مظاهر النشاط الإنساني الواحد. فالفنون الجميلة ذات أهمية عملية، من وجهة نظر \"ديوي\" لا تقل عن بعض الصناعات التكنولوجية.
إذن فالفرق بين العمل الفني والعمل الصناعي لا يرجع إلى خصائص محددة في العمل الفني أو العمل الصناعي وإنما يرجع إلي نظرتنا نحن أو إلى موقفنا تجاهه، فقد يكون موقفا عمليا تارة وموقفا تأمليا جماليا تارة أخرى. وهذا يفضي بالطبع إلى أنه قد يمكن للآنية التي نشرب فيها أو الحذاء الذي نلبسه أن يتحولا إلي عملين فنيَين بمجرد أن نجعل منهما موضوعا للنظرة التأملية الجمالية.
والفنون تتنوع وتتعدد وفي النوعية تتأكد عمليات الإدراك الإبداعية لاكتشاف الجوهر والمتميز والمبهر فالإدراك يسوق للأعمق لإمكان الإحاطة والشمول واستنباط الدلالات الفلسفية والجمالية والتي تشكل رؤى الفنان الذي ينقش إبداعه المتجدد على مفردات الزمن ولذلك انبجست أشكال لا حصر لها من الفنون التي تعدت الشكل إلى الجوهر ،
ولم تهمل تلك الفنون أي مادة طبيعية أو صناعية أو تقنية إلا وتوسلت بها وتعاملت معها في تناغم مذهل تبرز صورة أو شكلاً يظل أبد الدهر فناً معبراً عن ذات الإنسان وحدسه وتطلعاته .
فالفن هو الذخيرة التي يقف عندها المرء مصطبغاً برداء الجمال ، حيث تتكامل لديه الرؤية في الدخول إلى عوالم خفية لم تكن في الحسبان ، ونتيجة للحبكة الفنيّة تندرج تلك العوالم لتشكل رافداً آخر يعطي للجوهر الثقافي الصورة الأكثر قرباً إلى الوجدان .
وهي ترجمة حية للواقع الذي يعيشه الإنسان بتفاصيلها المختلفة ،
فالعمل الفني هو انعكاس للحياة الاجتماعية والاقتصادية وهو دعامة أساسية لأي حضارة كانت ، وكلما تطور الفكر البشري وازدادت تطلعاته انعكس ذلك إيجاباً على النتاج الفني ، فتعددت صوره وتوضحت ملامحه ، وتنوعت رؤاه .
وهي لغة عالمية تحاور وتتجاوز كل الحدود ولا تعترف بالفوارق أيّاً كانت ، وبالتالي فإن المعارض الفنية تجوب البلاد كسفير يمد يد المحبة والسلام من أجل تفاهم أعمق وصلات أقوى بين الشعوب.
فالفنون بطبيعتها التكوينية ، يدعو للارتقاء والسمو الروحي وبناء جسور التواصل بين المبدعين والمجتمع من خلال الإشراقات والإيحاءات التي تكتنف جوهرها الأصيل ، لتأخذ وزنها الاجتماعي بين الناس في صياغة هدفها واستيعاب مضامينها نحو تغيير الواقع الذي يعيشه نحو الأحسن والأجمل والأكمل .
كما يعيش الفن والفلسفة جنبا إلى جنب فى سباق محمود من أجل إيجاد الحلول للمشكلات البشرية التي تعانى منها المجتمعات على كافة الأصعدة وقد يوصف بعض الفلاسفة أو الفنانين وأحيانا بأنهم \" مهرجون \" أو \" مجانين \" ويتعرضون للعديد من القلاقل والمتاعب في حياتهم ثم تظهر الحقائق بعد ذلك ليتضح أن هؤلاء قد ظلموا ظلما فاحشا وان عبقريتهم ونبوغهم وصراعهم ضد أخطاء المجتمعات قد ساقتهم إلى هذا الاتهام . وتمتلئ حياة كل من الفنان والفيلسوف بالمواقف الصعبة نتيجة قناعة أي منهم للتيار الذي يحاول دائما أن يقف به عند حدود واقع مر دون أن يحاول اختراق هذه الحدود أو يسعى لمجابهة الأفكار البائدة التي ترسخت في الأذهان وأدت إلى إذلال الشعوب وشعورها الدائم بالكبت والحرمان .
كذلك فاللغة نسق من الإشارات والرّموز، يشكل أداة في المعرفة ، وتعتبر اللغة أهم أدوات التفاهم والاحتكاك بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة. وبدون اللغة يتعذر نشاط الناس المعرفي. وترتبط اللغة بالتفكير ارتباطاً وثيقاً. فأفكار الإنسان تصاغ دوماً في قالب لغوي، حتى في حال تفكيره الباطني. فقط في اللغة تحصل الفكرة على وجودها الواقعي. واللغة ترمز إلى الأشياء المنعكسة فيها.
الفن والجمال
لقد استُخدم الفن دائما للتعبير عن \"الجمال\" في كل مجاليه ومظاهره، وخاصة في الحس والشعور الإسلامي، وبالضرورة حين يكون عنصر الجمال عميقا في هذا الوجود ومقصودا لذاته يتبدى واضحا في كل كائناته \"الجامدة\" وغير الجامدة، والإنسان -وهو خليفة الله في الأرض- مُطالَب بأن يفتح حسه لهذا الجمال ليلتقي أجمل ما في نفسه -وهو حاسة الجمال- بأجمل ما في الكون، ويُنتج من هذا اللقاء تلك الألوان المتنوعة من الفنون والإبداع، فتصير تلك الفنون أنواعا من التعبير عن ذلك الجمال. ومن هنا كان التلازم بين الجمال والفن ، فلا تصور للفن بلا جمال ولا تصور للجمال بلا فنّ.
وسواء أكان الفنان بإزاء لوحة تشكيلية، أم بإزاء مقطوعة موسيقية، أم بإزاء قصيدة غنائية فإنه في كل هذه الحالات إنما يقدم لنا \"موضوعا جماليا\"، مكتملا، متينا، متجددا. والفنان الحقيقي يقدم لنا إعجازًا فنيًا، يجعل الفكرة تتجسّد في الطبيعة لكي تستحيل إلى فكرة باطنية تنبع من أعماق وجودنا. فإذا بنا نستشعر نضارة الرّبيع ونشوة الحياة ، وكأن جسدنا نفسه قد أخذ يتراقص على سحر تلك الفكرة التي مسنا بها الفنان.
لذلك فالجمال هو الشعور بروعة الشيء من خلال نظرتنا الثاقبة إليه مع انسجام تام مع الخيال لكي  تظهر الصورة أو اللوحة التعبيرية التي  نراها  في  أجمل مظهر .
هنا  يحدث تناغم واضح وخاصة بتوفر عامل الإحساس الذي  يؤكد جمالية المنظر وروعته حيث  يخلق نوعاً  من التأثير المباشر على النفس ويجعلها أكثر توافقا مع ما تعبر عنه اللوحة أو المكان المنظور  ،  فللجمال علم خاص به وكذلك للفن علم خاص به أيضا وعلم الجمال هو علم  يهتم بدراسة طبيعة الشعور بالجمال وما  ينتج عنه من تأثيرات ايجابية وإيحائية وخاصة في  مجال الفن التعبيري  حيث تناولته نظريات أدبية  وفلسفية طرحت الكثير من العبارات الدالة على معاني  الجمال من الناحية الفنية والفسيولوجية ولهذا تم ربط الجمال بالفن لأن الجمال له  علاقة مباشرة بالأحاسيس والوجدان أما الفن فهو تكوين وخلق شيء ملموس ومحسوس مثل اللوحات الفنية أو الأبيات الشعرية أو الموسيقى،  لقد  أوجد الفلاسفة عدة تعاريف للجمال والفن  ،  ( هيجل ) ذكر أن الجمال هو ذلك الجني  الأنيس الذي نصادفه في  كل مكان و( جون ديدي  ) الذي  يعتبر من الفلاسفة الذين تركوا بصمة واضحة في  تاريخ الفن والفلسفة قال إن الجمال هو فعل للإدراك والتذوق الفني  ، 
الفن له حقل واسع في  مخيلة المفكرين والفلاسفة نظرا لارتباطه الوثيق بالجمال فاليونانيين القدماء هم أول من عرفوا الفن وأقاموا له أبراجاً في  حياتهم الفكرية وقد عرفوه بأنه نشاط عام ونافع ومؤثر على الإنسان وجسدوه في حياتهم الأدبية وخاصة في  مجال الشعر والموسيقى كما جسدوه في  نشاطاتهم الحياتية التي  تشكل لهم حركة الجسد والفكر مثل البناء والحدادة وبعض المهن الأخرى التي  اجتمع في  تكوينها الفكر والفن والجمال ومن الفلاسفة الذين أثروا الفن وأعطوه بعداً إنسانياً  نجد أرسطو الذي  رأى أن الفن هو محاكاة بين بني  البشر والآلة وهناك ( ستيورت مل) الذي  حاول تقريب مفهوم الفن بعبارته القائلة أن الفن هو السعي  وراء الكمال في  الأداء  ،
و‬علم الجمال هو فرع من فروع الفلسفة وقد ظهر هذا العلم في  نهاية القرن الثامن عشر وتناوله عدّة كتاب وأدباء وأدلوا بدلوهم في  هذا الموضوع واتضح أن أكثر الآراء جاءت تقـول بأن الفن والجمال عاملان مفيدان لحياتنا  حيث تسمح لنا بحرية التعبير عن عواطفنا ومشاعرنا ويجعلاننا في  حالة ارتباط مباشر بين أنفسنا والآخرين ومعرفة تفاعل حواسنا مع خيالاتنا باعتبارنا بشر لنا أحاسيس ومشاعر تحرك فينا الإدراك بقيمة الفن والجمال  .
 إن الفن كفن هو نشاط ذهني  وروحي  ينم على وجود حالات من الإبداع الذاتي  بداخلنا نعبر عنه وفق مواهبنا واتجاهاتنا وميولاتنا مما نخلق نوع من التأثير على الآخرين والفن هو نتاج لطاقات فكرية وهو أحد وسائل الاتصال الثقافي  ، و الجمال جمال الروح والروح تسكن جسد الإنسان والفكر أيضا داخل الإنسان وبالتالي  وجدت حلقة اتصال لنضوج  ثقافة تثري  حياة الإنسان والإنسان كائن جمالي  يشعر ويتحسس طعم الجمال منذ صغره وتكبر تلك الأحاسيس مع كبر سنه وتتوسع مداركه العقلية  والفكرية  ،  كما إن التذوق الفني  والإبداع عنصرين أساسيين لتكوين الصورة الجمالية للفن بشكل عام  .
ولقد مارس الفنان المسلم عمله بحرية مطلقة، كما يقول المستشرق \"غرابار\"، هذه الحرية المطلقة التي جعلت أي عنصر قابلا للتطور في أي اتجاه: \"وهكذا كانت للفن العربي الإسلامي في بداية الإسلام إمكانيةُ نموّ جديدة لا توجد لها، وإمكانية تطور كبير، تشهد عليها واجهة \"قصر المشتى\" بوضوح، مما يعطي فكرة عن خاصة مميزة للفن الإسلامي في عهد تكونه، وهي \"الحرية\". فليس هناك نهاية وليست هناك حدود أخرى سوى إرادة الفنان\".
وتجلت عبقرية الصانع المبدع في الفن الإسلامي المجرد في تزيـينٍ أغنى بها القطع المستعملة والمصنوعة من الخزف أو من الخشب أو الزجاج أو السجاد. ولقد بدأ هذا التزيين الذي تجمعت فيه حصائل لا حد لها في متاحف العالم، والمقتنيات الخاصة، بأشكال وطرق تختلف باختلاف المادة التي صُنع منها.
فالفنون مظهراً من مظاهر حياة الإنسان ونشاطه ، فهي إلى جانب حياته الفكرية وسلوكه الأخلاقي مقوّم من مقوّمات وجوده في العالم .
والفنون تعبير عن رؤى إبداعية ذات رسالة نبيلة قادرة على صياغة عالم يسوده الحب وتتسع فيه رقعة الحب و الحوار وتضيق فيه مساحات التوتر والكراهية .
ولكي نفهم الأثر الفني لا بد أن نتعرف على عناصره ونحللها بإرجاع كل عنصر إلى مصدره بجميع تياراتها المختلفة ، رغماً أنها تبقى قاصرة عن البيان إلا من خلال معرفة ذات الفنان .
فبالأثر الفني يتم الدخول إلى محراب الإبداع من حيث العلاقة الوشيجة بين الفنان وأثره الفني ، ليصبح الفنان من مجرد إنسان ، إلى فنان بالمعنى الصحيح ، ولكي ندرك الفن بمعناه الشمولي الذي هو الصورة الحقيقية لخبرات المجتمعات من انبثاق اللحظة الإبداعية إلى النسيج الذي يشرف على الناس بحضور قوي وبراهين قاطعة .
كما ويسعى الفنان عبر القيم الجديدة والمفاهيم المتنوعة إلى تأسيس مفهوم خاص للجمالية كعالم مستقل يعارض سيادة مفهوم واحد للتلقي ، فبقدر تعدد المتلقين يمكن أن تتعدد قراءات العمل الفني لأن العمل الفني أصبح يفسح مجالاً للاختلاف الإبداعي ولا يرد إلى وحدة ما ، فالتغير الذي حدث في هذا العصر قد أدى إلى اختفاء الأشياء الراسخة والدائمة .
فالكتابة من أهم الانجازات الحضارية للإنسانيّة ، فانتشار الكتابة قسّم الشعوب إلى قسمين : بين المالك للكتابة والفاقد لها ، وهذه حقيقة تدل على أهمية الكتابة .
فقد كتب الإنسان لغاته الأولى على كل المواد التي تحيط به تقريباً ، حيث كتب أهل سومر حروف لغتهم الأولى على ألواح الطين وحفر المصريون القدماء رسومهم على الحجر .
واستخدمت القبائل الإفريقية جلود الحيوانات ، واستعان سكان المايا القدامى في أمريكا بلحاء الأشجار ، وأوسع اليونانيون بالكتابة على الفخار ، ولا تزال أهل إيران حتى الآن يبثون أشواقهم في ثنايا خيوط السجاد وعلى جداريات مداخل المساجد .
وقد دافع الفنان الفرنسي المسلم الفونس إيتان دينييه عن الكتابة بالحروف العربية، مصورًا خطيئة الذين أرادوا إبدال خط آخر بها قائلاً: \"الكتابة العربية هي أرقى نوع فني عرفه الإنسان، وأجمل خطّ يستطيع المرء أن يقول فيه من غير مبالغة: إن له روحًا ملائمة للصوت البشري، موافقة للألحان الموسيقية\".
كما وصف الكتابة العربية بأنها: \"عبارة عن مفتاح يكشف عن ألغاز الحركات القلبية الدقيقة، وكأنَّ حروفها خاضعة لقوة روح سارية، فتراها تارة تلتف مع بعضها على أشكال هندسية بديعة مع محافظتها على جميع الأسرار المودعة فيها، وطورًا تراها تنطلق وتقف بغتة كأنها معجبة بنفسها، وتارة تراها تنطلق جارية تتعانق، وتارة تتفرق\".
ويضيف: \"كلَّما تأملت في أشكالها الجذابة أخذت أفكاري إلى أحلام بعيدة، ولا يلزمني أن أكون مستعربًا ولا ساحرًا لأتمتع بجمالها الساحر الفريد، بل كل إنسان توجد فيه روح الفن تأسر قلبه هذه الكتابة\". ويؤكد أن الخط العربي يمتاز على سائر الخطوط بكتابته من اليمين إلى اليسار إتباعا لحركة اليد الطبيعية، فنجد الكتابة أسهل وأسرع من الكتابات التي تكتب من الشمال إلى اليمين؛ ولهذا كان الفنان الكبير ( ليوناردو دافينشي ) يرسم ويكتب من اليمين إلى اليسار إتباعا لقاعدة الخط العربي .
الروح والجسد في الخط :
لكي نتعامل مع الخط العربي علينا أن نتعلم التعامل مع اللغة العربية أن ندرك مدى أهميها ومدى روعتها وجمالها.. لا أعني أن نتخصص فيها ولكن أن نجعلها شيئًا يوميًا في حياتنا وفي تعاملاتنا
لتبقى الوعاء الذي يحفظ الحوار الجاد والمؤثر .
ومن تلك المؤثرات والعوامل التي رأى فيها \"مارتن لنجز\" الاختصاصي في المخطوطات العربية، سبباً مهماً في ثراء الخط العربي، الإحساس بضرورة التماثل والمواءمة ما بين الكلمة المسموعة والكلمة المكتوبة، فإذا كانت الأولى روحاً فلتكن الثانية الجسم المجسد لجمال الروح، وهو ما نبه إليه ياقوت المستعصمي بقوله: \"إن الخط هندسة روحانية وإن ظهرت بآلة جسمانية\" ويكون للعين ما للأذن من وَلَه بها، وتماثل في الإبداع المتبادل بينهما، حتى صار المتعلمون من المسلمين يتفاضلون بجمال خطوطهم وحسن كتاباتهم، كما يتفاضلون بعلو مراتبهم في العلوم والفنون والآداب. وكان لمدارس الخط من العناية ما يوشك أن يكون لمثلها في الأدب واللغة، وكان على الخطاط أن يوسع من قراءته في الدين والحكمة والأدب والشعر ليختار من الكلام ما هو حقيقي للإبداع في خطه.
وإن هذه المواءمة ما بين الكلمة المسموعة والكلمة المكتوبة اللتين تقدستا بكونهما حملتا القرآن الكريم هدى للناس أفردت كل نوع من أنواع الخطوط للإيفاء بغرض من الأغراض، وخصته باستعمالات معينة راح يتطور من خلالها، ويسعى لإبراز محتواها ودلالتها المعنوية، فلكتابة المصاحف والشعر والحكم خطوطها، وللدواوين والمراسلات خطوطها أيضاً، وحسب الخط الكوفي دوره في إيضاح ذلك بما كان لكل نوع من أنواعه ما يخصه بتوجيه معين (فالكوفي التذكاري) استخدم في الغالب لكتابة الآيات القرآنية الكريمة أو الحكم، وتثبيت تواريخ الوفيات والولادات وما شابه ذلك (الكوفي المصحفي) انتسب بصفته هذا إلى شيوع نسخ المصاحف الكبيرة وعلى الأخص في القرون الثلاثة الأولى التي أعقبت الهجرة النبوية، و(الكوفي البسيط) خص بالمادة التحريرية التي تبرز المعنى بيسر قراءة حروفه، بينما تحول (الكوفي المورّق) الذي شاع على أيام الفاطميين فعرف بالتوريق الفاطمي، و(الكوفي المخمل) و(الكوفي المضفر) المنسوب إلى شكل الضفيرة و(الكوفي الهندسي)..الخ. إلى تأكيد النوازع التزيينية تبعاً لتطور الواقع الاجتماعي وتعمق الحس الجمالي وقل مثل ذلك بالنسبة للخط (الديواني) و(الثلث) انطلاقاً من أبسط أشكالهما الانسيابية، وإلى أعقدها في طغرائية السلاطين العثمانيين، وما تفرع عنها من تشكيلات تجريدية على جانب كبير من الغنى الأدائي.
وفي أحيان في حرف أو جزء من حرف اتخذ له شكلاً، حيث وقف (الألف) كالسيف رهيف القامة وقد اعتلته قبضته، أو حيث تصير نهايات بعض الحروف مناقير معقوفة لصقور، وهكذا يصير للكلمة ما يطرحها بعداً في الرمز، كمفردة الشاعر حين تمد بنفسها إلى أكثر من غرض في الدلالات الإيحائية أو الإيمانية.
كما إن الخط العربي لم يعد ذلك الحرف الكلاسيكي الذي تخط به الكلمات لتأدية معنى كلام معين بل أصبح من أرقى وسائل التعبير التشكيلي في العالم ، كونه يحتوي على رموز وأشكال في مدلولاتها العميقة ، تتطور باستمرار حيث تمزج باللون فتفصح عن خبايا عدة يختزلها الواقع الفكري، المعرفي والثقافي العربي.
إن امتزاج اللون بالحرف لبناء فضاء منسجم متماسك ينجب الحركة حينا، والسكون والصمت أحيانا، إذ يتجاوز المساحة للتعبير عن المشاعر وتجسيد الأحاسيس. وهو ما ليس بالأمر الهين، وإنما يخضع لمراحل ويصنع بتجربة وحرفية وموهبة.
فالخطاطون من عشقهم للخط العربي مارسوه وجالوا في محتوياته فعلموا الحقيقة الناصعة في جوهرها .
وإن فلسفة الخط العربي قادت البشرية إلى حقب التاريخ الإسلامي وغاصت به في أعماق المعرفة، وبه قيس مدى مقدار التطور الذي عاشه المسلمون في حقب خلت من التاريخ. بل إنه عنصر رئيسي في صنع الحضارة الإسلامية.
الخط العربي وعبق الحضارة :
لقد كان الخط العربي وسيظل حلقة وصل وجسر تواصل بين الشرق والغرب، إنه لم يعدم الجواب حين مساءلته من كلا الطرفين . إنه كما اعتبره البعض خط تلاق لتقريب المفاهيم ونبضا للتحول من العالم المتناقض إلى عالم تستكين فيه الروح .
وفي محاضرة قيمة للشاعر والفنان محمد سعيد الصكار ألقاها في مدينة انتوربن البلجيكية بدعوة من مؤسسة ثقافة 11 أضاء الفنان جانبا أساسيا من الدور الحضاري للخط العربي في الثقافة العربية المعاصرة، وتحدث عن دوره في التقنية الرقمية والاتصالات الحديثة. والصكار الشاعر والفنان غني عن التعريف، خاصة في ميدان الخط والأبجدية العربية .
و الذي بدا لنا نحن المتتبعين لنشاطه الفكري والفني أحد الرموز الثقافية العراقية المنتجة في ميادين أخرى كالتصميم إضافة إلى الشعر والخط والرسم. ابتدأ محاضرته بالحديث عن فكرة الفرق بين الخط والكتابة فقدم تصورًا قيّمًا عن قدم الكتابة على الخط، فالكتابة كما يرى فعل إنساني يرتبط بحياة الإنسان وأساليب تعبيره عن المحيط وما يراه وما يفعله ثم عن الكيفية التي يعبر بها عن الكون وعن القدر والمجهول فالكتابة طريقة فنية وفكرية للدخول إلى باطن الإنسان.
كما هي تعبير عن خارجه. وقد وجد الإنسان في فهم الكتابة كطريقة تعبير واحدة من مقومات حياته ذاته. ولم نجد شعباً دون آخر لم يفكر بالكتابة وأن تأخرت شعوب عن أخرى. لذلك فالصوت الذي نقرأه في الحرف مثلا، هو الشكل الذي يتخذه الحرف أثناء الخط، فشكل حرف السين مثلاً هو صوت السين. ومن هنا بدأ الخط بمهمة التعبير عن الأصوات ومن ثم ليتحول لاحقاً إلى تعبير بصري فني وجمالي امتاز به خطاطون دون بقية الكتّاب .
من هنا كانت الكتابة أقدم من الخط بآلاف السنين فتاريخ الكتابة تاريخ طويل يمتد منذ خلق الإنسان حتى اليوم ، وله بعد ذلك تدرجات في المعرفة فهي ليست خطوطا على جدران الكهوف ولا هي فعل اليد على حائط أو قماش ، إنما هي جوهر العلاقة بين الإنسان مفكراً والحياة مادة للتعبير. ولن ننسى ما لتنوع وتطور الحياة اليومية من قدرة على جعل الكتابة قرطاساً لحياة الإنسان. في حين أن الخط هو تنويع فكري وثقافي وجمالي على الكتابة وعدَّ في زمن الإسلام جزءاً من جوهر العلاقة بين الإنسان والله سبحانه .
إلا أن الظاهر لا تقف عند الفرق بين الكتابة والخط، بل تعدتها إلى سياقات أخرى، منها أن الخط جزء من فكر مجتمع فعندما ارتبط بالصوفية مثلا اقترب من الترميز لظواهر اجتماعية وحاجات لم تكن معروفة، ثمة مناجاة بين حرف الألف والله، ومناجات أخرى بين حرف الواو وفن الالتفاف وثمة تناسق بين حرف النون وانحناءة السماء، ولهذا فقد أخذت الحروف أشكالا تعبيرية عن السحر والتعبد والنطق ولم يكن عبثا أن تتحول الحروف إلى رموز طقسية ودينية مبهمة كمفتتح بعض السور القرآنية مثل كهيعص وألف لام ميم، ونون والقلم وما يسطرون وغيرها، وهذا القسم بالحرف الذي هو ابتداء جزء من قيمة الحروف غير المعروفة حتى الآن في التعبير عن الإرادة الإلهية.
ثم عرج المحاضر عن العلاقة بين الفلسفة العربية الإسلامية والخط فأوضح أن اللغة العربية تحتفظ بميزات بنائية مهمة وكبيرة ، الخط هو أحد هذه الميزات، ولذلك نجده تنوع واختلف وتعدد وأصبحت له مدارس وخطاطين ونماذج وأسماء وكلها تصب في مهمة توصيل الثقافة العربية الإسلامية لشعوب وأقوام جديدة . وفي هذا الإطار الواسع تحدث الصكار عن دور الخطاطين العرب في تسويق وانتشار الدين والقرآن والشعر. ولما استوت الخطوط العربية على نماذج، تنوعت أشكالها وتعددت مهماتها فدخلت العمارة الإسلامية كجزء من الزخرفة المعروفة وكجزء من بناء للعلاقة بين الله وأمكنة العبادة كما دخلت الكتب والمؤلفات خاصة ودورها في الاستنساخ القديم وعند الوراقين، ودخلت الدواوين لتصبح واجهة حضارية لكل المؤسسات العلمية والمدنية.وتجد دولا عدة جعلت من واجهات مطاراتها الكبيرة مكانا لعرض لوحات بالخطوط العربية كجزء من الارتباط بين القديم والحداثة. وللصكار أكثر من لوحة في بلدان العالم.
ثم قدم في الأمسية تصورا جميلا باعتبار أن الحضور كلهم من البلجيكيين الذين يتكلم بعضهم اللغة العربية عن تطور العلاقة بين الثقافات من خلال تعميق الإحساس بفن الخط وأوضح أن الثقافة الغربية لم تعرف قيمة وفنون الخطوط إلا في فترة قريبة جداً لا تتجاوز الخمسين سنة الأخيرة، ولكنها ما أن بدأت حتى أخذت دورها في الثقافة الغربية وفي صناعة الكتاب واللوحات حتى دخلت ميادين تصنيع فنية وتشكيلية وتقنية حديثة وأصبح لها فنانوها المعروفين.
وفي السياق نفسه تحدث الفنان الصكار قائلاً : فالحرف في البنية التشكيلية العربية أصبح له تاريخ طويل فالنساخون العرب الأوائل مثل عبد الحق البغدادي والبسطامي الذي جعل للحرف كتابا وتصورات فلسفية ودينية وعد لكل نبي حرفا خاصا به الذي هو طريقته في التفكير. ولما انتشر الإسلام ودخلت شعوب عدة فيه تمكن عدد كبير من الفنانين الخطاطين، خاصة الفرس والأتراك من الخط وجودوا فيه وعدَّ الذين جودوا في الخطوط العربية من غير العرب ثروة كبيرة في الثقافة الإسلامية المنتشرة. لذا فالخط ليس وليد التقنية الرقمية الحديثة، ولا هو رغبة يد في تجويد الكلمات، بل هو فن له مقومات اللوحة الحديثة، وله قدرة على إمكانية التنوع البصري على أشكال أخرى. لذا يمكن أن تشكل بعض الكلمات خطوطا للوحة، ويمكن أن تدخل بفعل التنوع واتساع معرفة الفنان وقدرته في تركيبة لوحات حديثة كما يفعل الصكار ونجا المهداوي وضياء العزاوي وقاسم الساعدي ومحمد مهر الدين وخالد الساعي ومحمد غنوم وغيرهم.
كما إن التعامل مع الخط في الفن التشكيلي العراقي في السنوات العشرين الأخيرة نقلة نوعية في بنية اللوحة الفنية خاصة عند الفنان شاكر حسن آل سعيد الذي درس إمكانية الحروف فنيا وجماليا وعدها ضمن تصوره الفني عن البعد الواحد في اللوحة،
وأخيراً إن الخط العربي كشكل، كان طوال رحلته عبر القرون الماضية ملتقى حوار مستمر بين العلم والفن يعمق وعينا بهندسته، ويرهف حسَّنا بجماليته، ويرغم العين على أن تتبع كل حرف من حروفه وكيفية تداخل بعضها ببعض بما يغير مراكز اللوحة باستمرار، فيخيل إليك \" أنه يتحرك وهو جامدً \" وفي ذلك خصيصته التشكيلية الرائعة .
 
ـــــــــــــــــ

مراجع البحث :
_ فلاسفة وفنانون . رجاء النقاش .
_ الجمال والفن . أحمد الهدار ، شبكة الشمس الالكترونية .
_ مجلة سيسرا العدد الأول 2008 نادي الجوف الأدبي ، المملكة العربية السعودية . الفنان التشكيلي المغربي ( محمد البندوري ) حاوره نور الدين بازين .
_ الأدب الإسلامي . إنسانيته وعالميته ، الدكتور عدنان علي رضا النحوي . دار النحوي ، الرياض ،
ـ الخط العربي ،أصوله ، نهضته ، انتشاره، الدكتور عفيف البهنسي ، دار الفكر ، دمشق ، الجمهورية العربية السورية .
ـ موسوعة الخطوط العربية وزخارفها ، معروف زريق ، دار المعرفة ، دمشق .
ـ أطلس الخط والخطوط ، حبيب الله فضائلي ، ترجمة : محمد التونجي ، دار طلاس ، دمشق

 

جميع الحقوق محفوظة.. عناوين ثقافية                                             تصميم: مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي