سلبيات كبيرة وايجابيات تحفز على الاستمرار ومشاركة عربية واسعة
محمود قرني
القاهرة ـ ' القدس العربي'
انقضت فعاليات الدورة الثانية للملتقى الثاني لقصيدة النثر تاركة خلفها الكثير من الانتصارات والكثير من الاخفاقات في الوقت نفسه. وأصدرت اللجنة التحضيرية في ختام الفعاليات قرارا بحل نفسها على أن يظل هذا الأمر تقليدا سنويا تعتبر بموجبه اللجنة التحضيرية للملتقى منحلة فور انتهاء فعاليات أية دورة قادمة، وقد بررت اللجنة قرارها بضرورة ضخ دماء جديدة وفتح قائمة التمثيل أمام كافة الأجيال الشعرية، وكذلك تمكين الملتقى من انفاذ ارادة التداول والتعدد حتى لا يتحول أعضاؤه الى كهنة وعرابين.
وأظن أن أحد نجاحات الدورة الثانية للملتقى هو ترسيخ وجوده في الفضاء الشعري العام، فما حدث يشير بوضوح الى أن الملتقى لم يوجد لكي يكون ردة فعل على الممارسات المؤسسية المختلة أو على مؤتمراتها، بل بدا وجوده حالة موضوعية تتحرك وتتفاعل مع قضية التطور كقضية اشكالية، في اطار التكوين المجتمعي المعقد والمتراجع. أما على المستوى النقدي فقد شهدت محاور الملتقى تقديم عدد من الأوراق اللافتة تفاعلت مع المحور الرئيسي الذي جاء تحت عنوان ' قصيدة النثر والتعددية الثقافية'، حيث قدم الباحثون المشاركون رؤى معمقة حول قضية الترجمة وتأثيرها على قصيدة النثر وكذلك صورة النص السبعيني في التأويل المستقبلي والتراكم الصوري. وكذلك قدم الملتقى عدة أوراق حول قصيدة النثر واشكاليات الهوية وقراءة الماضي الشعرية الاعترافية عبر جماعة ' بيت جنريشن' بالاضافة الى العديد من الأوراق والدراسات التطبيقية حول قصيدة النثر بطبيعة الحال.
وكانت فعاليات الملتقى قد انطلقت في الخامسة مساء الأحد الحادي والعشرين من شباط ( فبراير) الجاري. وتواصلت فعالياته على مدار أربعة أيام بزيادة يوم واحد عن الدورة الأولى وذلك حتى الأربعاء الرابع والعشرين من الشهر نفسه.
شهد الملتقى ست ندوات نقدية في إطار المحور العام الذي جاء تحت عنوان ' قصيدة النثر والتعددية الثقافية' بين هذه الندوات: قصيدة النثر وتأثير النص المترجم، قصيدة النثر صراع الزمان صراع المكان، قصيدة النثر بين التعريب والتغريب، قصيدة النثر وصراع الهوية. وقد شارك في الندوات النقدية عدد من النقاد والشعراء المصريين والعرب بينهم محمد عبد المطلب، محمد بدوي، عادل السيوي، خيري منصور، أيمن بكر، محمود الضبع، شريف رزق، وائل غالي، بنعيسى بوحمالة، خالد الريسوني، محمد الصالحي، مصطفى الضبع. كذلك شهد المحور النقدي يوما سبعينيا بدأ بشهادتين للشاعرين، محمد آدم، وجمال القصاص. وكذلك ندوة نقدية حول السؤال المستقبلي للتجربة السبعينية. في الوقت نفسه صدرت ضمن مطبوعات الملتقى الأعداد الأولى من مجلات: ' إضاءة' و' أصوات'، و' الكتابة الأخرى' .
كذلك أصدرت مجلة ' الكتابة الأخرى' الدواوين الفائزة بجائزة الملتقى لكل من عزة حسين خوشمان قادو، وجوان تتر بالإضافة إلى طبع المجلات الثلاث المحتفى بها، كذلك أصدرت دار أرابيسك كتابا للشاعر والناقد شريف رزق وديوان الملتقى وطبعت دار ميريت البوستر والدعوات، وقام الفنان الكبير أحمد اللباد بإهداء الملتقى تصميما رائعا للبوستر والدعوة وأغلفة دواوين الملتقى.
كذلك شهد الملتقى أربع عشرة ندوة شعرية شارك فيها أكثر من تسعين شاعرا من مصر والعالم العربي.
بدأ حفل الافتتاح في الخامسة مساء الأحد في القاعة الكبرى في نقابة الصحافيين وقدمته الشاعرة لينا الطيبي حيث قرأ كلمة الافتتاح عاطف عبدالعزيز، أما كلمة الثقافة المصرية فقدمها الشاعر والمترجم بشير السباعي، وكلمة الشعر المصري قدمها الشاعر عبدالمنعم رمضان، أما كلمة نقابة الصحافيين فقدمها رئيس اللجنة الثقافية الكاتب الصحافي علاء ثابت، وكلمة الشعراء العرب قدمها الشاعر السوري منذر مصري، أما بيان الملتقى فقدمه الشاعر فتحي عبدالله، وقام بتسليم جائزة الديوان الأول كل من الفنان سامي البلشي الذي تبرع بثلاث لوحات للفائزين، وعلاء ثابت، وبشير السباعي، أما الحفل الموسيقي الافتتاحي فجاء اهداء من الموسيقار العراقي الكبير نصير شمة، حيث قدم عدداً من مؤلفاته الموسيقية، كما قدم مقطوعة جديدة ألفها شمة خصيصا من أجل الملتقى.
'أما المحور النقدي والشهادات فتضمن عددا من الندوات بدأ بندوة تحت عنوان: ' قصيدة النثر صراع الزمان صراع المكان'، شارك فيها كل من محمد السيد إسماعيل ـ جماليات المكان في قصيدة النثر، محمد زيدان ـ نحو بلاغة جديدة للنص الشعري الجديد، وائل غالي - قصيدة النثر نوعا مركبا، يسري عبدالله ـ المساءلة خياراً جمالياً، حسني عبدالرحيم ـ الشعر السياسة الزمن، وأدارها الناقد أيمن بكر. أما ندوة ' قصيدة النثر بين التعريب والتغريب' فشارك فيها كل من شريف زرق ـ مرجعيات الأداء الشعري في قصيدة النثر المصرية من بداية الأربعينيات حتى نهاية الثمانينيات، عبدالعزيز موافي ـ نحو قصيدة نثر عربية، كريم عبدالسلام ـ إرهاصات قصيدة النثر المصرية، محمود الضبع ـ من الوعي الجمالي إلى اليقين الفردي ، دارسة في دواوين جائزة الملتقى، وأدار الندوة: أمجد ريان.
أما ندوة ' قصيدة النثر اشكاليات الهوية'، فشارك فيها خيري منصور ( فلسطين) شعرية بلا ضفاف، محمد بدوي: علمنة قصيدة النثر، محمد عبدالمطلب: قصيدة النثر ما لها وما عليها، وأدارها الناقد المغربي بنعيسى بوحمالة ( المغرب).
'أما ندوة ' تجربة جيل السبعينيات'، محور الشهادات، فشارك فيها كل من جمال القصاص، ومحمد آدم. أما ندوة ' جيل السبعينيات سؤال مفتوح على المستقبل أم تراكم تأويلي في فراغ الصورة؟' فشارك فيها كل من أماني فؤاد والناقد وائل غالي، والناقد المغربي بنعيسى بوحمالة الذي قدم ورقة شديدة الإحكام والانتباه لاشكاليات النص السبعيني، وعلى نفس المنوال كانت ورقة الشاعر والمترجم المغربي خالد الريسوني الذي قدم ورقة ضافية ومهمة عن تأثير قصيدة النثر الإسبانية على قصيدة النثر العربية. أما الحفل الختامي فقد أهداه للملتقى الفنان العراقي علي الورد.
وقد شارك عدد كبيرمن الشعراء المصريين والعرب في فعاليات الملتقى بينهم:
منذر مصري ' سورية'، محمد الصالحي ' المغرب'، نصير غدير ' العراق'، حلمي سالم، خيري منصور ' فلسطين'، جمال القصاص، عزة حسين، عبدالحميد الصائح ' العراق'، محيي الدين جرمة، إبراهيم المصري، فاطمة قنديل، علي المقري ' اليمن'، إلياس فتح عبدالرحمن ' السودان'، عمر أبو الهيجا ' الأردن'، أحمد السلامي ' اليمن'، محمد عبدالوهاب الشيباني 'اليمن'، سوسن العريقي 'اليمن''، سوزان خواتمي ' سورية'، محمد حبيبي ' السعودية'، صالح دياب ' سورية'، سعد جاسم ' العراق'، خالد الريسوني ' المغرب'، خالد درويش ' ليبيا'، عبد الله الريامي ' عمان'، مروان علي ' سورية'، محمد النبهان ' الكويت'، محمد عيد إبراهيم، محمد آدم، ميسون صقر ' الإمارات'، محمد فؤاد ' سورية'، جمال القصاص، هدى أبلان ' اليمن'، فريد أبو سعدة، فتحي أبوالنصر ' اليمن'، دخيل الخليفة ' الكويت'
وكان بيان الافتتاح الذي ألقاه الشاعر فتحي عبالله قد اثار بعض أعضاء اللجنة التحضيرية بسبب عدم عرضه عليهم في الوقت المناسب وبسبب ما رآه بعضهم تسييساً للملتقى، فقد قال عبالله:
إن ' وسائل الإعلام والثقافة في مصر يسيطر عليها الفاسدون'، ويزيد من هذا الفساد ما يقدمه الصحافيون من خدمات لهذه المؤسسات التي تسعى دائما لتدمير أية جماعات أدبية تسعى للاستقلال عن الفكر المؤسسي، وأوضح فتحي في الكلمة الافتتاحية أن هناك جماعات كثيرة تستهدف الملتقى الثاني لقصيدة النثر، أولها ' المؤسسة' والتي تعمل على تدمير كل التجمعات التي تحاول أن تخلق تيارًا جديدًا في الثقافة العربية، وثانيها ' اتحاد الكتاب' والذي يرى أن كل ما هو جديد يدمر ميراثنا الثقافي والخاص، وثالثهما ' الشعراء' الذين لم يتحققوا بأي شكل من الأشكال في كل الأجيال، والذين وجدوا في صراعهم مع جماعة الملتقى فرصة لتحقيق وجودهم.
نحاول هنا تقديم جانب من بعض الاوراق التي ألقيت في حفل الافتتاح، حيث بدأت بالشاعر عاطف عبد العزيز الذي ألقى كلمة الملتقى وجاء فيها:
مر عام على الدورة الأولى من ملتقانا، تلك التي كانت قد انعقدت هنا في ذات المكان والتي بدت في حينها بادرة فريدة لم تعرف حياتنا الثقافية لها نظيرًا، حين أثبت المجتمع المدني في مصر ممثلاً في جماعة من المثقفين والشعراء قدرته على تقديم الحلول المبتكرة والناجزة في واقع مختنق ومأزوم تقوده مؤسسات شائخة ومفلسة لا تملك من وسائل سوى القمع والإقصاء من أجل الإبقاء على وجودها وعلى حالة الثبات والجمود بدعوى حماية الهوية.
مر عام ومرت معه تحت الجسور مياه كثيرة، إذ كشف الشعر بنوره العميق عما قد عميت عنه القلوب حينًا، إذ رآنا أصدقاؤنا الحقيقيون ورأيناهم، وعرفْنا أغيارنا وأمهلناهم، ثم أسرفوا على أنفسهم وعلينا فتجاوزنا وعبرناهم.
كثيرة كانت الملاحظات المحبة وغير المحبة التي وصلتنا في أعقاب الدورة الأولى، ولقد حاولنا قدر المستطاع أن نتجنب في دورتنا الحالية بعضًا منها، ولسوف تظل هناك ملاحظات ما دمنا قادرين على العمل.
قال البعض: ' إقصائيون جدد'، لكن الحقيقة الموضوعية تقول أن ما من أحد أو جهة قادرة - مهما أوتيت من إمكانات- على جمع المشهد الشعري الراهن في قبضة واحدة، فالمشهد واسع واسع والشعراء في وطننا العربي يعدون بالمئات، كل واحد منهم أمة بأسرها، وهو يرى ـ ونحن أيضًا نرى معه - أنه صاحب حق أصيل في هذا الملتقى غير أن الحلم في غالب الأحيان يجيء أكبر من القدرة، على أننا حاولنا وسنظل نحاول تمثيل هذا الواقع الشعري الثري بأقصى درجة من الأمانة، معترفين سلفًا بأننا في كل الأحوال مقصرون وسنبقى كذلك.
اخترنا لدورتنا هذه عنوانًا رئيساً هو ( قصيدة النثر والتعددية الثقافية) وهو عنوان يمس - في رأينا - الشعر في أدق المواضع وأكثرها حساسية، ذلك بحسبانه كان وسيبقى واحدًا من أقدم صلات الرحم التاريخية والحضارية بين الإنسانية بثقافاتها وأعراقها المتعددة.
وحين نختار من الشعر قصيدة النثر فإننا بذلك نكون قد أكدنا وعينا بإنجازها الأعمق كشكل هارب من الشكلانية، أي هارب من ألوهية القوالب الصارمة التي غالبًا ما تتكاثف صرامتها في عصور الانحطاط والكسل الفكري والروحي، حيث يصبح القالب في نهاية الأمر بديلاَ عن الشعر، ومن ثم تصبح التقاليد بديلاً عن الحياة.
نختار قصيدة النثر منتبهين لخصيصتها الأبرز، وهي القدرة على تفكيك الموروث الثقافي بعلاقاته المعقدة والمتشابكة ذات الطابع الدوغمائي، لا كي تهيل التراب عليه كما يتصور البعض، بل كي تعيد صياغة هذه العلاقات وفق منظور جديد يجمع في مجاله - ضمن ما يجمع - الآخر بثقافته وأشواقه وحلمه بالسلام والعدالة، بشكل آخر نعني قدرتها على تجنب المزلق المتعرج الخطر الذي يصل بين القبض على الهوية والثقافة الأم من جهة، وبين الانغلاق والنزعة الشوفينية من جهة أخرى.
وهنا نص كلمة المثقفين المصريين التي ألقاها الشاعر والمترجم بشير السباعي تحت عنوان السوليبسية إلى ' عودة التاريخ' حيث تقول الورقة: من الناحية الزمانية، لا يمكن أن يكون صحيحاً أن ' ما بعد الحداثة' أو أيديولوجية ' نهاية التاريخ' هي المسؤولة عن السوليبسية (solipsism) التي ظهرت في الكتابة الأدبية في بلادنا بعد هزيمة 1967، فالواقع أن هذه الهزيمة هي التي أنجبت هذه السوليبسية، حيث يؤشر فقدان الإيمان بما سُمِّيَ بـ ' المشروع القومي' إلى زوال مبررات الأواصر الاجتماعية وكأن مشروعية هذه الأواصر لا يمكن أن تُستمد إلاَّ من إيمان كهذا!
والحال أن هناك من وجدوا في ' ما بعد الحداثة' التيمات التبريرية لهذه السوليبسية: استحالة إدراك العالم في شتى ارتباطاته وتحولاته المعقدة، استحالة تغيير العالم، أولوية الذات والجسد.
وقد طالت هذه التجهيلية الفلسفية قصيدة النثر.
وهكذا، فبدلاً من أن تكون قصيدة النثر تجلياً للنزوع إلى المواء مة بين التعبير عن ' الحركات الليريكية للروح وتموجات الهواجس وانتفاضات الوجدان' على ضوء تناقضات المدينة الحديثة بشتى احتداماتها، كما لدى بودلير ورامبو، نجد أنفسنا أمام مفهوم معاكس لا يرى الأواصر الاجتماعية ويتهرب من سؤال المصير الإنساني. لكن ما يطمح إليه الفن ليس هو الاختزال بل التكثيف، فالذات مسكونة بالآخرية والجسد أكثر تركيباً وتاريخيةً وتفاصيل الحياة اليومية تجليات لما هو أعمق ...
والسؤال الآن هو: ماذا سيفعل الشعراء مع ' عودة التاريخ'؟
في جميع الأحوال تظل مهمة الفنان هي الاشتباك العميق والصادق بالحياة، وهذا شيءٌ مختلفٌ تماماً عن اختزال العالم في ' أنا' لا تشعر بوجوده!
قبل نحو مئة عام، تحديداً عام 1915، كتب المازني الشاب معلناً استنكاره القصيدة التي لا تتميز بوحدة القافية والبحر الشعري، وبعد سبع سنوات من ذلك، نشر أحمد راسم مجموعته الشعرية الأولى، ' البستان المهجور'، والتي أجبره الخوف من سدنة الشعر على نشرها دون ذكر اسم صاحبها. والحال أن هذه المجموعة التي ربما كانت أول مجموعة قصائد نثر عربية قد قوبلت بالاستنكار من جانب أحمد شوقي الذي اتهم صاحبها بأنه ' معتوه'. وعلى الجانب الآخر، لأن هناك دائماً جانباً آخر، رحَّب جورج قطاوي في أيار ( مايو) 1922 بقصائد أحمد راسم النثرية العربية، مؤكداً أن صاحبها ' حالمٌ أريب، نجح في أن يُسَرِّب إلى قصائده النثرية الكثير من الصيغ الجديدة والكثير من العناصر الجمالية التي تدين لغتها لمنجزات بيجي وجاميس وكلوديل'.
إلاَّ أن رأي أحمد شوقي في ' البستان المهجور' كان كارثة بالنسبة للشاعر الشاب، بحيث أنه أُجبر فيما بعد على ترجمة قصائده النثرية التي واصل كتابتها بالعربية إلى الفرنسية ثم تمزيق أصولها العربية!
على أن التجريب الشعري لم يتوقف بطبيعة الحال. ولا شك أن عام 1939، عام نشر ' الغرفة الرنانة' للشاعر والرسام فؤاد كامل، كان موعداً جديداً مع قصيدة النثر العربية التي سوف تعاود الإطلال في عام 1948 مع نشر قصائد مهمة لشعراء من المحزن أنهم هجروا كتابة الشعر فيما بعد: كامل زهيري، عادل أمين، حسن التلمساني،إلخ.
وجاءت التسعينيات لتعلن عودة قصيدة النثر بقوة ولتكرس احتلالها الساحة الأوسع للإبداع الشعري في مصر. لكن ما يجب أن يقال، دون مواربة، هو أن هذه الموجة حملت زَبَداً كثيراً، لا سيما أن النقد بدا متسامحاً أكثر من اللازم أو عاجزاً عن قراءة المشهد قراءةً صحيحة، ومعروف جيداً أن التساهل غالباً ما يكون رفيقاً للجهل!
لا أحد يستطيع منع أحد من اتخاذ الكيتش خليلاً، فبحسب مبادئ حقوق الإنسان، من حق كل إنسان أن يفعل مع نفسه ما يشاء، إلاَّ أن من حق الناقد كذلك أن يبدي رأيه في هذه الأفعال ما دامت تجري ممارستها في المجال العام!
وبقدر ما أننا نحيا ونكابد أزمنة دراماتيكية بالفعل، فليس جميلاً بالمرة أن يهبط الشاعر إلى مستوى البيانو الأحمق الذي يتخيلُ أن كل ما في الكون من موسيقى صادرٌ عن أوتاره!
وهنا نص البيان الختامي للملتقى الذي ألقاه الشاعر فارس خضر:
لدورتين متتاليتين أنجز ملتقى قصيدة النثر أعماله وسط احتفاء يليق بالشعر وفي مناخ رسمي معاد استطاع أن يرسخ لوجوده ككيان ثقافي مستقل قادر على الاستمرار بقوة تفوق مقدرة صناعه ليثبت بحق ودون تواضع أجوف انه الفعالية الأكثر التصاقا وتعبيرا عن اللحظة الشعرية الراهنة وانه النقطة المفصلية الناصعة في حركة الشعر المصري التي دشنت لنوع أدبي مستبعد ومهمل من جانب المؤسسة الثقافية الرسمية
وما كنا لنسعى لتنصيب أنفسنا سلطة افتراضية تعيد إنتاج السياقات المتكلسة أو تمارس ضغوطها لنيل مكتسبات غير شعرية. كنا نود أن نحتفي بفرح الشعر وبقصيدته الجديدة أردنا أن ننزل عن كواهلنا بعض أثقال البلاغة القديمة وألاعيبها تاركين لقصيدتنا أن تبتكر إيقاعاتها المنسجمة مع سياق اللحظة الراهنة وان تعود باللغة إلى طفولتها الأولى.
'أردنا أن نحتفي بتلك القصائد الرائية المتأملة المزهوة بأنينها الخافت، القصائد الحكيمة والمعترفة بالضعف الإنساني، القصائد التي هبطت بالشاعر من عليائه وطافت به من حقول القتل البشري ليرى القصائد المرتقة لجروحه والحافظة لروحه وإنسانيته .. القصائد التي تقف على كتف الماضي لتكون اقرب إلى سماء الفن.
وما أظننا كنا كعازفي السفينة الغارقة إذ يبدو أننا سننجو إذا ما واصلنا العزف على الأوتار الحية النابضة في واقع أشبه بجثة مشوهة.
'فقد استهدف الملتقى من لحظته الأولى التأكيد على موقفين أساسيين الأول يتعلق بخطابه النظري الكاشف لتراجع الأداة المعرفية ودورها في إعادة العقل العربي إلى لحظة إشراقه الأولى عبر تعرية الخطابات السياسية والثقافية التدجينية التي تعتمدها مؤسسات هيكلية وكذلك تعرية القفاز الخشن الذي يرفعه السياسي في لحظات الحسم في مواجهة فعل التحرير بمعناه السيسيوثقافي.
والموقف الثاني الذي استهدفه الملتقى هو الكشف عن قدرة قصيدة النثر الراهنة على المغايرة شبه المطلقة مع نص الآباء الأوائل الذي ارتبط بالنصين الفرانكوفوني والانغلوساكسوني وكذلك تجاوز النص الجديد لمفهوم الغرض الشعري وإعادة النظر في مفهوم الوظيفة الشعرية بعيدا عن خطاب المركزية التي أنتجته وهي مركزية لا تتسم بأي نوع من العدالة، وان روّجت خطابا مضللا عبر آلتها الإعلامية الرهيبة
ونعتقد أن الملتقى نجح في إصابة الكثير من أهدافه ويعد بأن يواصل دوره على المستويين المعرفي والجمالي محتفظا بنقاء موقفه السياسي الرافض لكل أشكال القمع والمصادرة مؤازرا للحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة بكل ما تحمله هذه المفردات من محمولات الحقيقة وسطوع ضوئها.
وقد كان الملتقى الثاني الذي نجح بجهود عشاق الشعر ومحبيه وبمؤازرة الأحرار والشرفاء في الثقافة المصرية نموذجا دالا على إرساء التنوع والتعدد بهدف الكشف عن تقاطعات النص الجديد مع أسلافه. من هنا كان الاحتفاء الواجب بحبل السبعينات كواحد من المحاور الأساسية. وليس أدل على نصاعة موقفنا من قبول التمثيلات الواسعة من الطيف الشعري المصري والعربي من قبولنا هذا الحكم المطلق بإعدامنا الذي أطلقه واحد من هؤلاء الشعراء من اعلى نقطة في منصتنا وهو حكم نتقبله برحابة رغم انه لا يقل فداحة عن آليات إنتاج القتل الرمزي والمادي في الممارسات اليومية للسلطة الغاشمة. أية سلطة غاشمة!
هذا لا يعني أن عملنا يدعي لنفسه الاكتمال بل هو جزء من نقصنا الذي يسعى إلى الاكتمال بمحبتكم ومؤازرتكم وصدق ما تفعلون، ولا شك في أننا كجماعة شعرية لا تملك إلا إرادتها الفردية. قسونا على أنفسنا أكثر مما ينبغي وحملنا أصدقاءنا من الشعراء العرب ما لا يحتملونه ومع هذا لم يتشكوا مرة رغم ما كبدناهم من مشاق. وعزاؤنا أنهم شركاء اصلاء في صناعة هذا الحدث الثقافي فقد تحملوا حصتهم من المعاناة بنبالة.
إن الضغوطات التي واجهت اللجنة التحضيرية للدورة الثانية أجبرتها على استيعاب الكثير من التناقضات مما وسع عدد المشاركات المصرية وهو ما قد يهدد بضعف الملتقى في الدورات القادمة، ولما كانت هذه الحالة الاستيعابية قد أسفرت عن تسليط الضوء على قصيدة النثر وقضاياها وهو ما كنا نرجوه فمن المنتظر أن يركز الملتقى في دوراته التالية على أن يبقى حدثا أكثر نوعية في كافة اختياراته.
وللنهوض بهذه الأهداف لا بد للملتقى من تطوير آلياته على مستويات عديدة لا سيما فيما يتعلق بقدرة أعضاء اللجنة التحضيرية على العطاء وعلينا الاعتراف بأن بعض أعضاء اللجنة لم يحضر اجتماعا واحدا طيلة عام من الصراعات والإعداد والبعض الآخر حضر مرات لا تتجاوز أصابع اليد دون أن يقدم أدنى مساعدة والبعض الآخر فعل الشيء نفسه ثم شتمنا على صفحات الصحف لأننا لم نحصل على موافقته الباهظة على ما نفعل.
لذلك قررت اللجنة التحضيرية الآتي:
أولا: صياغة ميثاق شرف يضع عددا من المعايير والضوابط والأهداف للملتقى ولآليات العمل والمشاركة في اللجنة حتى لا يتكرر الأمر نفسه مرة ثانية وهو ما يهدد الملتقى بالاندثار مهما كانت الجهود ومهما كان نبل الأهداف.
ثانيا: تقرر اللجنة التحضيرية حل نفسها عقب انتهاء هذه الفعاليات مباشرة على ان يظل هذا الإجراء تقليدا لصيقاً بكافة دورات الملتقى في الأعوام القادمة، وذلك بهدف ضخ دماء جديدة للجنة التحضيرية بحيث تظل الفرصة قائمة أمام كافة الأجيال الشعرية بمشاركتنا هذا الحدث. |