القاهرة - ماجد موجد
(جريدة الصباح العراقية)
تحت عنوان (قصيدة النثر والتعددية الثقافية)وعلى مدى اربعة ايام 21_24/2 اقيم في القاهرة الملتقى الثاني لقصيدة النثر، شارك فيه اكثر من مئة شاعر وناقد حضروا من العراق والامارات وتونس وسورية والاردن والسعودية وليبيا والمغرب واليمن وفلسطين والكويت فضلا عن شعراء مصر، حفل
افتتاح الملتقى ابتدأ مساء في قاعة الاحتفالات الكبرى داخل مبنى نقابة الصحفيين المصريين وقد حضره حشد كبير من المثقفين والشعراء والفنانيين كان على رأسهم الفنان الكبير نصير شمة، تضمن الحفل عدة فعاليات كانت في مقدمتها كلمة اللجنة التحضيرية للملتقى قرأها عضو اللجنة الشاعر عاطف عبد العزيز، فأشار إلى أهمية انعقاد ملتقى قصيدة النثر في دورته الثانية في هذا الظرف لعله يعطي تصورا عن الجهد الذي يبذله الشاعر العربي غير المؤدلج وغير القابع في اطار المؤسسات الرسمية من اجل الوصول الى حاضن ثقافي وابداعي يعي مهمة التجربة الشعرية الجمالية ومسعاها الانساني الشامل، وكانت الكلمة مؤثرة جدا لما تضمنته من وجهات نظر بالانتكاسات الشعرية العربية حين عمل العديد من الشعراء على جعل عباراتهم رهنا بمؤسسات الانظمة الحكومية وتطلعاتها المحدودة ازاء التجربة الانسانية.
وربط عبد العزيز بين رقي المجتمعات والابداع الفكري والثقافي وهذا لا يحصل الا بخروج المثقفين من اطار المؤسسة التي تآكلت وأصبحت مجرد أدوات لاستنزاف الثروة واستغلال الجماعة الهشة والمتناقضة لاداء أدوار بسيطة “ مضيفا أن “تجمع ملتقى قصيدة النثر فعل ايجابي في لحظات التراجع الكبرى وتحول الرموز الى أدوات للقمع بطرق أكثر وحشية وان كانت أكثر نعومة وفي أشكال تبدو ديمقراطية.
ثم قرأ الاديب علاء ثابت كلمة اللجنة الثقافية في نقابة الصحفيين الراعية للملتقى والتي تطرق فيها الى التحضيرات التي عملت عليها اللجنة الثقافية واللجنة التحضيرية من اجل انجاح اعمال الملتقى وتحقيق اهدافه والعمل على اتاحة فرصة لجمع الشعراء العرب ممن يرون في قصيدة النثر النموذج الاكثر اهمية في جسد الشعرية العربية ومسيرتها
بعد ذلك قرأ الشاعر عبد المنعم رمضان كلمة الشعر المصري وقد استعرض فيها التحولات التي طرأت على التجربة الشعرية المصرية وما افضت اليه من محاولات مهمة في سبيل الخروج من دائرة الراكد والثابت وقد قال في كلمته، انه لا يمكن له ولا لغيره أن يتكلم باسم الشعر المصري، لكنه يمكن أن يتحدث باسمه، ثم وصف رمضان الأغلبية الشعرية بالرداءة، وقال إن الشعراء المجيدين قليلون جدا، مستنكرا على الشعراء ان يضعوا انفسهم في مواقف حرجة من انفسهم ومن مسؤولياتهم حين يزجون بتجاربهم داخل القيم الرسمية للمؤسسات.
بعدها قرأ الشاعر السوري منذر المصري كلمة باسم الشعراء العرب اوضح فيها ان الشعر العربي يريد الخروج من اية هوية لاتحفل بالجمال المحض ولا بالاهداف المشتركة للتعبير الفني بشكل عام والشعري بشكل خاص معتبرا ان اقامة ملتقى لقصيدة النثر في المجتمع العربي هو نقلة جوهرية ورسالة واضحة على ان الشعر الخالص هو الهوية التي يجب ان يتخذها ويعتز بها الشاعر الحقيقي اينما كان وباي لغة يتكلم لان الشعر الخالص هو اللغة الاكثر نقاء في توحيد الهاجس الانساني من اجل ان يعيش حرا وتلك هي الرغبة والاهدف الانبل الذي تسعى اليه البشرية.
بعد ذلك قرأ الشاعر المصري فتحي عبد الله بيان الملتقى وقد تضمن عدة نقاط توضح من خلالها الصعوبات التي واجهت اللجنة التحضيرية من قبل عدد من المؤسسات ممن لم ترغب في اقامة الملتقى عادا ذلك جزءا من مخطط يحاول واضعوه ابقاء تجربة قصيدة النثر في الظل والهامش لانها غير قابلة للتدجين ولايمكن ان تكون بوقا للساسة وللمصالح الضيقة التي تعيش عليها المؤسسات الرسمية وقال عبد الله ان هناك الكثير من السلبيات التي تثقل كاهل الشعر في هذه اللحظة ومنها بعض الصحفيين المتابعين للشأن الثقافي وعدد من الشعراء وهم جماعات المصالح ومدعو الشهرة.. وأضاف أن الشعر الحقيقي هو الموثق الحقيقي لمناحي الحياة المختلفة، ويجب أن يظل طوال تاريخه نزيهاً شريفاً، وقال عبد الله بنبرة احتجاجية ومتحدية ان هناك شعراء وقفوا بالضد من الملتقى لانهم شعروا بالاحباط من تجاربهم وانهم لم يحققوا بأي شكل من الأشكال شيئا مهما في الأجيال اوالحلقات، ولذا فإنهم يمثلون إحدى جماعات الصراع مع الملتقى وغيره من التجمعات لأنهم لعبوا أدوارا لاترتبط بالشعر الا بشكل ثانوي ولذلك فشلوا شعريا وصار كل حراك شعري خالص يؤرقهم ويزعجهم.
وفي كلمة الثقافة المصرية، ربط الكاتب بشير السباعي بين الاضطهاد المتبادل بين المؤسسة الثقافية وملتقى قصيدة النثر واضطهاد الشعراء والمثقفين لقصيدة النثر منذ ظهورها وحتى الآن، وأشار السباعي إلى أحد الشعراء الذين ظهروا في أوائل القرن الماضي وكان اسمه أحمد راسم، والذي نشر وقتها ديوانه النثري «البستان المهجور» وهو ما تسبب له في الكثير من المتاعب، إذ إن أمير الشعراء أحمد شوقي وقتها وصفه بـ «المعتوه»، وهو ما أصاب راسم بالإحباط الشديد وجعله يُترجم قصائده النثرية إلى اللغة الفرنسية ثم يعود فيحرق أصولها العربية.
بعد ذلك جرى تقديم الجوائز العينية على الفائزين في مسابقة الملتقى للشعراء الشباب(مسابقة الديوان الاول) وهي مسابقة اعلن عنها في وقت سابق وقد فازت ثلاثة دواوين شعرية وهي (انظر اليها.. كم أنت مرهق) للسوري خوشمان قادو و(هواء ثقيل) للسوري جوان تتر و(على كرسي هزاز) للمصرية عزة حسين. وجاء الفائزون الثلاثة كما قال المنظمون من بين 30 شاعرا من معظم البلدان العربية.
وتقتصر الجائزة على طبع الدواوين الفائزة ودعوة الفائزين الثلاثة لحضور أنشطة الملتقى اضافة الى تسلمهم شهادات تقديرية. وتولت مجلة (الكتابة الاخرى) طبع الدواوين الثلاثة.
على جنح فراشة
بعد ذلك صعد الى خشبة المسرح الفنان نصير شمة وأمام صمت مطبق بالكاد تسمع منه حركة الافئدة يبدأ شمة نشيجه المنطلق من كل عمق التاريخ العراقي واثاره وتراثه ، خمس مقطوعات كانت كفيلة بان تؤثث المكان من جديد خارج اللغة والعبارة بل انها ادخلت المكان الى عوالم انسانية تعجز اللغة ان تأتي بمثله، قدم اولا مقطوعة غارسيا لوركا ثم دشت كرد لتأتي مقطوعته الثالثة «في حضرة النفري» وهي المقطوعة التي كتبها شمة خصيصا للملتقى واستغرقت قرابة الشهر ونصف الشهر. بعد استراحة قصيرة كانت هناك قراءات لعدد من الشعراء المشاركين وقد استمر الحفل ساعتين.
وفي الايام الاخرى كان هناك عدد كبير من الجلسات الشعرية والنقدية التي توزعت اماكن اقامتها بين قاعات نقابة الصحفيين واتيليه القاهرة قرأ فيها الشعراء المشاركون قصائدهم التي تباينت مستوياتها واشكالها وطرق تعاملها مع اللغة والموضوعة، اما الدراسات النقدية فقد اعطت تصورات واراء عن المعايير التي يمكن ان تكون مقبولة ومعقولة للكشف عن ماهية قصيدة النثر ومستوياتها الفنية ومكامن الابداع فيها وناقشت المحاور النقدية قضايا مهمة منها (قصيدة النثر وعلاقتها بالتغيرات الاجتماعية والتاريخية التي طرأت على مفهوم المعرفة) و(الايديولوجيا في منظور الوعي المثالي لقصيدة النثر.. ومضمون السؤالين الجمالي والسياسي في اطار رفض القصيدة لمبادئ التنميط التي تقوم عليها الانواع الاخرى) و(صراع الاشكال الشعرية كجزء من الصراع الاجتماعي ودور الفنون عامة والشعر بشكل خاص في رأب فجوة التخلف)و (تطور الاداء اللغوي في قصيدة النثر ومدى ارتباطه بالنص المترجم) و(قصيدة النثر المصرية منذ الاربعينيات بين دعوة التغريب والتعريب) و(النص المترجم والنقد الثقافي وهل يمكن تصوره خارج سطوة المركزية الاوروبية وتجلياتها الاستعمارية).
وقد صدر عن الملتقى عدد من المطبوعات، حيث أصدرت “الكتابة الأخرى” الدواوين الثلاثة الفائزة بجائزة الملتقي، بالإضافة إلى طبع المجلات الثلاث المحتفى بها “الكتابة الأخرى”، “الكتابة السوداء “، كما أصدرت دار أرابيسك كتابا للشاعر والناقد شريف رزق وديوان الملتقى الذي ضم قصائد الشعراء المشاركين في الملتقى، وطبعت دار ميريت البوستر والدعوات الخاصة بالملتقى وديوانا للشاعر عاطف عبد العزيز، وقد قام الفنان الكبير أحمد اللباد بإهداء الملتقى تصميما رائعا للبوستر والدعوة وأغلفة دواوين الملتقي.
وشهد الملتقى ست ندوات نقدية في إطار المحور العام الذي جاء تحت عنوان “قصيدة النثر والتعددية الثقافية “ بين هذه الندوات : قصيدة النثر وتأثير النص المترجم، قصيدة النثر صراع الزمان صراع المكان، قصيدة النثر بين التعريب والتغريب، قصيدة النثر وصراع الهوية، شارك في الندوات عدد من النقاد والشعراء المصريين والعرب بينهم محمد عبد المطلب، محمود بدوي، عادل السيوي، خيري منصور، أيمن بكر، محمود الضبع، شريف رزق، وائل غالي، بنعيسي بوحمالة، خالد بلقاسم، خالد الريسوني، محمد الصالحي، مصطفى الضبع. كذلك شهد المحور النقدي يوما سبعينيا ،شهادات لأربعة شعراء هم رفعت سلام، محمد آدم، علاء عبد الهادي، وجمال القصاص. ندوة نقدية حول السؤال المستقبلي للتجربة السبعينية. في الوقت نفسه اقيمت ندوة مسائية للاحتفال بإعادة إصدار الأعداد الأولى من مجلات : إضاءة، أصوات، والكتابة الأخرى. شارك في الندوة الشاعر سيد حجاب، حلمي سالم، أحمد طه، وهشام قشطة وادارها عبد العزيز جمال الدين، كذلك شهد الملتقى أربع عشرة ندوة شعرية يشارك فيها أكثر من تسعين شاعرا من مصر والعالم العربي. |