فنون
معرض الفنانة آمنة النصيري .. الرقمي والمفاهيمي بدلاً عن التشكيلي والجمالي
الثلاثاء , 16 فبراير 2010 م طباعة أرسل الخبر

كتب المحرر الثقافي:
نادراً ما تشهد صنعاء حدثاً فنياً أو ثقافياً يلفت الانتباه، ويبدو أن المبادرات الفردية وانشطة المؤسسات غير الأهلية والأجنبية هي الصانع الوحيد للأحداث الاستثنائية في زمن "الحرب والسلام"، الزمن الذي تعيشه اليمن هذه الأيام بامتياز.
الأسبوع الماضي، وبالتحديد في التاسع من الشهر الجاري، افتتحت الفنانة والأستاذة الجامعية آمنة النصيري معرضها الثاني عشر في فضاء المركز الثقافي الفرنسي بصنعاء بعنوان "حصارات".
مثل المعرض فرصة لالتقاء حشد من المثقفين والفنانين والاعلاميين الذين فاجأتهم النصيري بمعرض مختلف عن معارضها السابقة.
اعتاد متابعو النصيري أن تطل عليهم في معارضها بحشد من اللوحات التي كانت تختلف أحجامها في كل مرة وتشترك في احتشادها بالمساحات اللونية والموتيفات التي تروق آمنة وتخفف من مجانية التجريد في اللوحة لتمنحها مساحة تأويلية إضافية.
ظلت معارضها السابقة كذلك – رغم احتكاكها بمهرجانات وندوات الفنون العربية – ظلت تحصر حدود المغامرة في التجريب داخل اللون ومقاربة الفراغ في اللوحة من زوايا متعددة.
وفي آخر تجربة لونية لها في مهرجان صنعاء الثاني للتشكيل عرضت عملاً مرصعاً بأقراص الـ (CD) بتوظيف بصري يدمج بين السيمترية في توزيع الدوائر من جهة وجمالية إيقاع اللون في اللوحة من جهة أخرى.
 
الرقمية تصل أخيراً
 
في المعرض الجديد الذي يستمر حتى 24 نوفمبر الجاري نجحت آمنة النصيري في ترتيب مفاجأة للزوار. إذ أنها لم تستقبل العيون الزائرة بأعمال تشكيلية جمالية، بل بأعمال بصرية رقمية تستند إلى التصوير الرقمي (مجموعة أعمال) وتقنية الفيديو آرت (عمل واحد)، وتقنية ثالثة هي التركيب في الفراغ (مجموعة)، تلك هي اللغة التي تستخدمها الاعمال المعروضة، لكنها وإن كانت تمثل بحد ذاتها مفاجأة فإن ما تطرحه يمثل مفاجأة أخرى إن لم نقل صدمة متعمدة أرادت الفنانة أن تواجه بها ذهنية المتلقي وليس مشاعره وتقديراته للجمالية.
تتبادل الأعمال المعروضة الاشتغال على هاجس المرأة المحاصرة باللباس الذي يحجبها عن محيطها وعن ذاتها. فكرة واحدة تتناسخ في أعمال مهمتها التوكيد على الرسالة.
هذا هو الفن "المفاهيمي" الذي يشتغل على الأفكار ويجسدها باستخدام كل ما يقع تحت يد الفنان من أدوات، حتى لو كانت طاولة للقراءة ومجموعة من الكراسي تدعو للجلوس وقراءة مقاطع من كتب مختارة بعناية، وكان هذا هو أول عمل مفاهيمي قدمه مؤسس هذا الفن في منتصف القرن الماضي جوزيف كوزوث.
 
هامش الزحام
 
بعيدا عن تكرار الاعمال المعروضة لذات الفكرة واستنساخها بغزارة، يبدو التفسير الوحيد لسبب الاحتشاد الكمي للأعمال في "معرض مفاهيمي" هو أن الفنانة لا تزال مأسورة بنمطية المعارض التشكيلية الفردية التي يرى فيها الفنان فرصة لاكتساح أوسع مساحة ممكنة من الجدران التي يسمح له باستخدامها في معرضه الشخصي.
ذلك الزحام الكثيف لأعمال مفاهيمية معنية بملامسة جوهر الفكرة أضر كثيراً بالمعرض وبالانتقالة التي من الواضح أنها لا تزال مكسوة كذلك بقلق صاحبتها التي حاولت أن تشرك المتلقي في أداء مهمة تخصها وحدها، أعني مهمة اختبار وتجذير الانتقالة في وعي صاحبتها.
 

لعل المبرر الوحيد الذي كان سيسمح بحشد أعمال مفاهيمية من هذا النوع في مكان واحد هو تعدد الأفكار التي تشتغل عليها، او أن تكون الأعمال في معرض جماعي لعدد من الفنانين.
ويبدو الزحام في معرض آمنة غير مبرراً وبالذات لجهة الصور الرقمية.
 
هامش مي
 
تضمن المعرض عملاً واحداً يستخدم تقنية الفيديو آرت قامت بأدائه مي النصيري، وكشفت المادة الفيلمية عن موهبة مي في التمثيل والتعبير عبر حركة الجسد فقط عن الفكرة التي أراد الفيلم (والمعرض) أن يوصلها.
كان من الصعوبة تمييز ماهية الكائن الذي يظهر في الفيلم وهو يصارع ويتلوى حد الشعور بأنه يختنق أو يلفظ انفاسه مئات المرات بداخل كيس أسود من القماش غير محدد بمساحات او زوايا قابلة للتمزق لوضع حد للـ "حصارات".
ومن ثم ينبعث الكائن ببطء فتظهر لنا ملامح هلامية لفتاة لا تزال مكسوة بالسواد وتلتصق بمقدمة رأسها عين واحدة.
ولو أن المعرض لم يتضمن سوى هذا العمل المتحرك داخل ألم الفكرة وقسوتها لكفى.
 
-(ينشر بالتزامن مع صحيفة رأي)
نهاية زمن الرسم
أحمد السلامي

وجد الفنانون في الغرب مبررات عدة، ضغطت باتجاه تكريس "الفن المفاهيمي" المعني بمعالجة الأفكار وتجسيدها بوسائط وتقنيات حديثة من بينها الفيديو آرت والصور الرقمية، وجاء هذا التحول اتساقاً مع "التطور التكنولوجي والتأثير الطاغي للاكتشافات العلمية في جميع الجوانب الحياتية منها التشكيل"، وذلك يعني التلويح لريشة الرسام التقليدي وإيداع ميراث التشكيل في متاحف تؤرخ للفن.
وفي تعليقه على دورة سابقة لبينالي فينيسيا، يرى موسى الخميسي أن الفنان الغربي "أصبح معذباً بالمعرفة أكثر من حرفيات الفن"، وأن اكتساح الأعمال المفاهيمية للبينالي في دوراته الأخيرة يقدم "صورة واضحة عن أزمة اللوحة الفنية التي وصفها أحد النقاد بأنها تحتضر بعد ان دفنت أختها القصيدة الشعرية"! هذا ما يحدث في الغرب، ولكن ماذا عن الشرق الذي لايزال ينشد الشعر ويتغنى بعيون المها؟
ترجع الفنانة العمانية فخرية اليحيائي سبب رفض هذا النوع من الفن إلى أن الفنان في العالم العربي لايزال منشغلاً بمواصلة بحثه عن هوية خاصة تدمج بين الأصالة والمعاصرة، بينما جاءت نشأة الفن المفاهيمي في الغرب بسبب ملل المبدع من الإطار التقليدي للعمل الفني، لذلك تحول من البحث وراء مفهوم الجمال الفني إلى السعي وراء جمال الفكرة أو التعبير عنها، فعرف الفن المفاهيمي بأنه محاولة لتحويل الفكرة وجعلها ملموسة.
ومعلوم أن الفن المفاهيمي ظهر في أميركا وأوروبا في نهاية الخمسينات على يد جوزيف كوزوث، وبدأ عدد من الفنانين في الإمارات وغيرها يشتغلون على هذا المنحى منذ سنوات قليلة، ويعد بينالي الشارقة الدولي من أهم المحافل الفنية التي تهتم بمواكبة هذا النمط، وكانت دورته السابعة في 2005 مكرسة للأعمال المفاهيمية. المناسبة التي دعت للتطرق لهذا الموضوع هي افتتاح الفنانة والناقدة التشكيلية آمنة النصيري معرضها الجديد أخيراً في صنعاء بعنوان "حصارات"، وتزاوج فيه بين ثلاث وسائط: الفيديو آرت، الصورة الرقمية، المجسمات والتنصيبات الفراغية. وعبر هذه العدة غير المألوفة من قبل في تجربتها، تتخلى الفنانة عن الريشة والألوان الزيتية، وعن ثيمة التعدد التي كان المتلقي يخرج بها من معارضها السابقة ذات المسحة التجريدية المحتشدة بالألوان، وتتعامل مع الصور الرقمية والمادة الفيلمية والدمى التي توظفها في أقفاص وفراغات مؤطرة بقماش أسود.
لا تستبدل آمنة النصيري بهذه الوسائط خامات أعمالها السابقة فقط، بل تنتقل من الاشتغال على القيمة الجمالية ذات المعطى التجريدي إلى توصيل فكرة "مفاهيمية" صادمة وأحياناً مباشرة عن الأنثى المحاصرة بالسواد الذي يحجب ملامحها وكينونتها.
يضم المعرض كذلك مادة فيلمية قصيرة تحاول تكثيف دلالة الحصار الحسي والمعنوي للمرأة داخل الرداء الأسود عبر حركات إيمائية تذكرنا بمشاهد من المسرح التجريبي، وتعيد "التنصيبات الفراغية" والصور الرقمية الاشتغال على صورة المرأة المحتجبة خلف قماش التقاليد التي كرست لحصارات عدة تتجاوز المظهر الخارجي للجسد.
غير أن من المهم في هذا السياق الإشارة إلى أن الانتقالات الجذرية في تجارب بعض الفنانين تجعل المتلقي يتعامل معها بحذر، خصوصا حين تخلو محطاتهم السابقة من مؤشرات أو جسور تمهد لتحولات من هذا النوع.
emaratalyoum
 
 

جميع الحقوق محفوظة.. عناوين ثقافية                                             تصميم: مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي