فنون
الثقافة البصرية من الاحتكاك بالغرب إلى حرفيات الجزيرة العربية
الجمعة , 12 فبراير 2010 م طباعة أرسل الخبر
د.آمنة النصيري
كثيرا ما يستعصي على الباحث تتبع بدايات تجربة التشكيل في اليمن، نظرا لصعوبة العثور على كتابات توثق تاريخ التجربة، بل إننا نفتقد إلى الوثائق التي يمكن أن تساعد على بلورة صورة واضحة حول زمن ظهور البدايات، ولذا فكل ما يتوفر لا يتعدى حكايات وذكريات لمن تبقى من الفنانين الأوائل الذين مارسوا هذا الفن لزمن محدود، ثم تراجعوا عنه تحت وطأة ظروف ثقافية اجتماعية اقتصادية لم تكن تستوعب آنذاك الممارسة التشكيلية.
وتدل معظم الروايات على أن محاولات وأسماء ظهرت في مناطق مثل حضرموت وعدن منذ بدايات الخمسينات في القرن العشرين وربما أسهمت عوامل شتى في وجود تلك المحاولات التشكيلية مثل الاحتلال الانجليزي في الأجزاء الجنوبية من اليمن سابقا، وخروج كثير من أبناء عدن وحضرموت للدراسة في الغرب، ليعودوا بوعي وثقافة مختلفين عن طبيعة الثقافة التقليدية السائدة، وقد سعى الفنانون اليمنيون آنذاك بالتعاون مع بعض الفنانين الغربيين الذين كانوا يقيمون لفترات في المنطقة، ويندرجون ضمن حركة الاستشراق إلى تشكيل أندية وجمعيات فنية، إلا أن هذه البدايات كغيرها من التجارب العربية الناشئة لم تكتسب ملامح واتجاهات ومشاريع محددة، بل إن الممارسات التشكيلية افتقدت إلى الطابع الاحترافي، فالجميع ظلوا يعملون في إطار الهواية التي لا تتقيد بالبحث المتصل والاستمرارية، ولم تستمر هذه الجماعات سوى زمن قصير، ثم غلب عليها التفكك وتراجع كثيرون عن الاشتغال في الفن لتبقى في الساحة أسماء محدودة للغاية منهم على سبيل المثال الفنانون علي غداف، خالد صوري، العقيلي باوزير. ومع نهاية السبعينات تراجع حتى هؤلاء باستثناء التشكيلي علي غداف الذي ما زال يمارس الفن لكن خارج الوطن إذ استقر في هولندا. بيد أنه وان غاب كل أولئك عن المحترف المعاصر، نتيجة عوامل خاصة وعامة إلا أنهم مهدوا لظهور جيل جديد من المحترفين الذين درسوا الفن في معاهد وأكاديميات عربية وغربية ليعودوا لتكريس ممارسة ذات أطر واقعية مؤدلجة إلى حد كبير فرضها توجه الحزب الحاكم ذي النهج الاشتراكي في المناطق الجنوبية من اليمن قبل الوحدة 1990.
أما في الأجزاء الشمالية اليمنية فان البدايات كانت متأخرة إلى حد ما قياساً إلى سابقتها وذلك للظروف السياسية الخاصة التي عاشتها هذه الأجزاء في ظل حكم الإمامة التي فرضت عزلة قاسية على الشعب ما لبثت أن تركت أثرها في كل مظاهر الحياة، لذا لم يكن التغيير في تلك المظاهر أمرا يسيرا حتى بعد قيام الثورة ،1962 وانتصار النظام الجمهوري حيث بقيت الثقافة ذات طابع محافظ مغلق ومن هنا لم تظهر أولى المحاولات التشكيلية إلا في نهاية الستينات من القرن العشرين عندما استقر الفنان هاشم علي في مدينة تعز، وبدأ بعرض لوحاته في متحف تعز وفي بعض المراكز الثقافية، ثم الفنان عبد الجبار نعمان الذي قدم من مصر بعد الدراسة في المرسم الحر "ليوناردو دافنشي" وبدأ احترافه للفن.

تكريس المحمول الواقعي

ومع بدايات الثمانينات أرسل عدد كبير من الفنانين الهواة الشباب للدراسة في الخارج ليشكل هؤلاء في منتصف الثمانينات جيلا فاعلا لعب دورا أساسيا في تطوير المحترف التشكيلي المحلي، بيد أن تغير الظروف السياسية وقيام الوحدة اليمنية في عام 90 كان عاملا رئيسيا في حرية انتقال وتواصل التشكيليين اليمنيين وقيام المعارض والنشاطات داخل بلد واحد وبالتالي يمكن من الاطلاع على بانوراما التشكيل المحلي من دون الحاجة إلى التقسيمات والجغرفة السياسية الآنفة الذكر. وإذا ما أردنا استخلاص السمات والاتجاهات الأهم في عموم التجربة فإننا نجدها كغيرها من الحركات التشكيلية العربية الحديثة والمعاصرة أسست على قواعد ونظريات مستقاة من التعليم المدرسي الأوروبي واتجاهات الفن العالمي.
ولأن المدى الزمني لعمر التشكيل اليمني والقصير نسبيا لم يسمح بعد بتأصيل التجارب الفنية، وبتكوين أنساق بصرية ذات منهجيات محددة، فان أهم ما يغلب على محترفات التشكيليين يتمثل في الانتقالات الأسلوبية من تيار إلى آخر ومن أسلوب إلى أسلوب حتى ان المعارض المتتالية عند الفنان الواحد تحمل اختبارات لا تتسق ضمن توجه واضح. هذا ما يبرر ظهور سمات من مدارس ومذاهب مختلفة عند كل فنان، ولعل "الواقعية" بمعناها العام وبمعناها الاصطلاحي المدرسي تكاد تكون العلامة الأبرز، فقد حظيت بحيز واسع في اشتغالاتهم، حيث سادت في سلسلة من أعمال عبد الجبار نعمان وهاشم علي وعبد الجليل السروري وطلال النجار وفؤاد مقبل وأحمد بامدهف وعباس عيدروس. غير أنها في كثير من الأحيان تشرع في التحول لتقترب من التعبيرية أو تصبح تعبيرية صرفة كما في ملصقات الهام العرشي، علي الذرحاني، ناصر عبدالقوي، عبد الفتاح عبد الولي، أحمد بامدهف،أحمد عبد العزيز، محسن الرداعي، وان كان هذا الأخير قد مثل حالة خاصة بتعبيرية وفطرية عوالمه ووجوهه التي جاءت فريدة مصحوبة بالدهشة ومفعمة بالجمال متخلصة من حذلقات المدارس والقوالب المتداولة، وبالمثل مزج هاشم علي منحاه الواقعي بروح تأثيرية ذات معالجات لونية متوهجة فيها احتفال بالمضيء والصارخ والمتناقض من اللون.
إلى جانب تكريس المحمول الواقعي في النص، برز تيار مغاير هو "التجريدية" التي ظهرت في بعض أعمال هاشم علي وحكيم العاقل، والراحل عبد اللطيف الربيع ويكاد الفنان الربيع يشكل المحترف الأكثر إخلاصا للتجريد فقد اشتغل ضمن منهجية صارمة فاعتمد اللون وسيلة وحيدة في التعبير لتمثل الشحنات والقيم اللامرئية في الخارج والأشياء ورفض أي تموضعات منظارية للمادة.
على أن النزوع التجريدي تراجع هو الآخر من أعمال الفنانين وقد يكون مرد ذلك الفجوة الحاصلة بين اللوحة والمحيط كما قد يكون اللون وحده سلطة أخرى ضمنية على فنانين ما زالوا يبحثون عن ذواتهم الإبداعية وعن إمكانات وفضاءات أوسع للتعبير، هذا ما دفع البعض للتجريب داخل الاتجاهات الحداثية الأكثر رواجا في العالم، ولأن هذا الفن يجد في عملية توليف عناصر النص البصري من كل حصاد المنتج الفني على مدى تاريخه، ولأنه أيضا يسوغ هدم المفاهيم والصور التقليدية، ويحرض على بناءات جديدة لا تخضع إلا للمخيلة المبدعة، فقد وجد معظم التشكيليين فيه ضالتهم، وهكذا تبلورت بذور التحولات البصرية الحداثية في لوحات فنانين من مثل طلال النجار، أمين ناشر، ياسين غالب، صالح الشبيبي، فؤاد الفتيح، مظهر نزار، إلا أن الظاهرة اللافتة أن نتاج العديد من هؤلاء وغيرهم في الوقت ذاته يظل يتأرجح بين غوايات الحداثة والنزعة التعبيرية، ويتجلى ذلك في تجارب الفنانين فؤاد الفتيح ومظهر نزار، وهاني الأغبري.
بيد أن تيارات أخرى قد وجدت وان كان في هامش محدود من التجارب مثل التكعيبية التي جد الفنان كمال المقرمي في أسلبتها ضمن لغته الخاصة، مهتما بتفكيك الشكل اعتمادا على قيم هندسية مع إضفاء مفردات بصرية زخرفية تمهد لاستحضار صور من الفنون اليمنية القديمة.
بالإضافة إلى الاشتغالات المشار إليها أنتج البعض من التشكيليين أعمالا ذات طرح سريالي منهم رشاد إسماعيل صاحب التجربة الجرافيكية العالية المستوى التي لم يتجاوزها أي من المشتغلين على ذات التقنية محليا. كذلك سادت اللغة السريالية في لوحات محمد الهبوب، وعبده الحذيفي، وان كان الفنان الحذيفي لم يستقر عند شكل واحد للتعبير هو الآخر فمن الأجواء السريالية لا يفتأ يتحول إلى الخطابين الواقعي والتعبيري. أما الفنانة ريمه قاسم فتمزج بين السريالية والتجريد.
وبطبيعة الحال فان للحروفية نصيباً من تجارب التشكيليين في اليمن، وعلى الرغم من عزوف كثير من المحترفات العربية عنها، وخفوت بريقها بعد اشتداد الجدل الذي استحال إلى هجوم عليها كمنحى في الفن العربي إلا أنها ما زالت تغري الفنانين اليمنيين بالاشتغال فيها، ربما لكونها تشكل امتداداً لأحد عناصر الموروث المحلي الغني ذي المنابع الفنية العريقة، وهذا الأخير يتحول هو الآخر إلى سلطة ضمنية تلح على معالجات التشكيليين، وتثقل على العديد من نصوصهم بل وتنقلب في بعض التجارب إلى حالة من الاستلاب والتداول السطحي الذي لا تصحبه رؤية وفكر عميقان.
جدير بالذكر أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور صفوف كثيرة من التشكيليين الشباب خريجي معاهد وأقسام الفنون المنشأة حديثا في اليمن، ولأن غالبية الفنانين الشباب ما زالوا في طور التشكل والبحث والتجريب، فانه يصعب استكناه تجاربهم وأعمالهم إلى أن تكتسب ولو بعض الخصوصية إذ إن معظمها ما زال يكرس لغة واقعية يشوبها الضعف، ومع ذلك لفتت الانتباه في المعارض الأخيرة لوحات شابة لعدد قليل من الفنانين لكنها تتمثل أساليب متماسكة وقيما فنية تتجاوز المستهلك الواقعي مثلما نجده عند الفنان نصر حسين الذي يشتغل على تجريد نصوصه بمهارة وتمكن وبحس عال باللون. كذا الفنان علاء البردوني الذي لم تتح له بعد دراسة الفن على المستوى الأكاديمي إلا أنه يرسم مشاهد للأحياء والزوايا الليلية التي لا يخفف من وحشتها سوى البسطاء والبائسين من شحاذين وعمال النظافة ويخرج علاء بالتراكيب اللونية من فجاجة الواقع والنقل الحرفي للمشهد إلى وجود مغاير. وهناك الفنانان نصر أبكر وشوقي عبده اللذان يشتغلان على بحث تقني فيستبدلان بالورق والقماش جلود الأسماك،سطحاً آخر ممكناً لإنشاء اللوحة، ويلونان بأحبار الإخطبوط. إنهما يسعيان بجدية لجعل منتجهما مستمد من الطبيعة والأرض التي يعيشان فيهما. ولعل الشواطئ والبحر في مدينة عدن يبرران اختياراتهما التقنية.
وتتبقى أسماء شابة عديدة جديرة بالذكر إلا أنه يصعب حصرها جميعها لكن المؤكد أنها إن استمرت في البحث الجاد ستصل يوما إلى ما يمكن أن يرفد التشكيل اليمني الذي هو بحاجة ماسة إلى حركة تجديد وإثراء إذ إنه برغم أن هذا العرض قد استحضر القدر الأكبر من الأسماء والتجارب إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أن كثيراً منها توقف عن ممارسة التشكيل إما بفعل الانشغال بأعمال أخرى أو الاعتزال أو المرض.وهذه جميعها مظاهر ضغوط مادية نتيجة الأزمات الاقتصادية التي عانتها وتعانيها اليمن في العقدين الأخيرين خلفت تأثيرا سلبيا في النشاط الفردي للفنانين ومن ثم في مستوى التجربة التشكيلية ككل، بل ساعدت إشكالات الاقتصاد المحلي في تعميق عزلة الفنان اليمني عن العالم الخارجي.

تجربة ريما ونزار

أما الفنانة ريمة قاسم فقد اتجهت بداية ككثير من المصورات العربيات إلى التعبير من خلال وعي وخبرة يدوران حول عالم صغير محدود، شديد الذاتية، تمثلت فيه معاناتها وكيانها الأنثوي في مجتمع يثقل على النساء بمحاذيره وشروطه القاسية.
لم تكن خطوط الفنانة حينها وألوانها تفصح عن فضاءات أخرى غير الوحدة والقلق والكآبة مع اندياح صراعات الروح المتعبة، لذا ظلت اللوحات لسنوات تعبر عن متواليات ذات المحيط النفسي.
وبمرور الوقت ومع تنامي تجربة ريمة وخروجها إلى العالم، وبالتالي التفلت ماديا ومعنويا من دوائر العزلة،انطلقت مرة واحدة باتجاه مستوى جديد من التعبير لم تتنكر فيه للبعد السيكولوجي وللهموم الإنسانية، بل اشتغلت على تكثيف القيم النفسية، وانفتحت على تضاعيف الروح وتحولت تقنيتها إلى المساحات والألوان المغايرة، كما أنها ركزت في معالجتها البصرية على اختيار الحلول التي تجمع بين جموح وفنتازيا السريالية واختزالات التجريد الذي جنبها الإسقاطات المباشرة والنزوع التشخيصي التمثيلي، وهذه اللغة مكنتها من احتواء الوجدان الإنساني بمعناه الشامل ونقلتها من التراكيب اللونية القاتمة إلى مدارات مضيئة شفافة تفتح نافذة للحلم، في تجاربها تسعى التشكيلية ريمة قاسم إلى الغوص والنفاذ في عمق الداخل البشري تتلمس دهاليز النفس الإنسانية علها تصل إلى مختلف التبدلات والانفعالات التي تطرأ دونما توقف على ذلك الداخل. عندما تشرع ريمة في التسلل إلى العوالم الجوانية المجهولة، تحرض كل طاقات الخيال بغرض تحقيق انزياحات بصرية مجازية توازي اللغة الطبيعية إذ تنفي باستمرار أية إحالات أو إشارات زمكانية لكي تفسح حيز اللوحة للمتخيل الذي تحيله أدواتها إلى بناءات وهمية تفيض بالصور والأشكال المحيرة التي تصبح كيانات مستقلة محتملة حتى وان كان على سطح اللوحة، ذلك أن هذا الحيز الجديد الذي تتوسله يتنزه كلية عن حضور الواقع الفعلي لأنه يتبلور وفق محمولات ذهنية سيكولوجية وجمالية مصدرها ذات الفنانة فحسب.
وهي تعتمد في إنشاء الصورة على الإحساسات العفوية بالشكل والتي تتداعى في تلقائية بالغة تبعا للحالة الشعورية التي تعيشها أثناء إنتاج النص، ولذا فان تفاصيل الصورة تنساب وتتوالد وتتعدد فيما بينها دون أن تترك شعورا عند المتلقي بوجود بناء أو إعداد مسبق، فهي كأنما تعيش ولادتها الأولى في كل مرة نتأمل فيها الشكل.
في كل التجارب المنتجة لا يمكن أن لا نشعر بأن صاحبتها فنانة أنثى، إذ إن حساسية الفنانة المرهفة بالحياة، وكياناتها الأنثوية وحضورها المادي، ترتد إلى ذاتها المبدعة ليستحيل رموزا ودلالات ذات علاقة بالولادة والبدايات الغامضة للحياة، تؤكد هذه الإيحاءات من خلال الأشكال الأشبه بالكائنات الجنينية السابحة في محيط كثيراً ما يتخذ صورة الرحم. كما تتكرر الكتل والحركات والخطوط المستديرة والبيضاوية لتعمق الرؤى الأنثوية للوجود البشري والتي استبدلت بغياب الجسد في لوحات ريمة قاسم حضور النفس والوجدان.
ولأن المحمل التشكيلي هو مجال رهان الفنانة على تأكيد ذاتها فإنها تجسد كينونة المعاني المجردة باللغة اللونية التي تشتغل على تطويرها بصبر وعناد مدهشين ومن خلال شفافية اللون تتخلق أشكالها وتتقاطع على خلفيات مضيئة يسودها الصفاء كأنما تحاول الفنانة أن تعلن قدرة اللوحة على احتواء تناقضات الحياة وتحويلها إلى ممكنات، فانفعالات الداخل في معاناة الروح لا تنفي هارمونية العلاقة بين الكائن والمحيط وتسامي النفس إلى مستويات يتحقق فيها الانسجام.
الفنان مظهر نزار كثير من لوحاته تذكر بالمبادئ التي وضعها الفنان "موريس دوني" أحد زعماء الفن الجديد، الذي رأى أن فن التصوير يجب أن يوحي لا أن يعرف، وأن يضعنا كالموسيقا في عالم غامض لا محدود وأن يبني على أساس جمالي وتزييني وأن تبقى غاية الفن تحويل الطبيعة إلى مثال بإدخالها ضمن إطار صوفي رياضي....الخ.
والملاحظ في جميع أعمال مظهر اعتمادها على اللوحة ثنائية البعدين، وينفصل البعد الأول فيها عن البعد الثاني جاعلا من الخلفية (التي يتركها بيضاء في معظم التكوينات) فضاء لا منتهيا للشكل بجزئياته، وهو ليس الفضاء أو الحيز الواقعي لكنه يصير فضاء محضا بعبارة أخرى إن الفنان يحول الخلفية من بعد مرئي إلى مفهوم عقلاني.
ويبدو التكوين داخل العمل في تركيب متماسك ولا تخلو أعماله عامة من توجه نحو تثبيت الكتلة وإعطائها توازنها وثقلها في وسط اللوحة، وهذه العملية وان بدت بسيطة في هيكلها، فإنها في الوقت ذاته تعبر عن تحد لمبادئ الشكل، وتتطلب اتزانا وانسجاما ضروريين، لذا فهو يختار تكويناته بحذر واضح خوفا من أن تفقد وحدتها.
وتبدو شخوصه ذات خصائص ثابتة من حيث التراكيب الشكلانية التي تتكون من شخص أو اثنين ويستخدم في تصويرها المعطيات الفلكلورية كأن تكون مرتدية الملابس الشعبية لاسيما اللثام والستارة اللذين يصاحبان كثيراً من الشخوص النسائية كما يستخدم الزخارف ذات الطابع المحلي والتاريخي في أجزاء مختلفة من عناصر التكوين. وكذلك فيما يخص الجو النفسي الشعوري إذ تسيطر على الوجوه الإنسانية حالة تقترب من الحلم أو الشرود، وتلوح عليها لحظات ممتدة من السكون الغامض وتبدو نظرات العيون غير محددة كأنما لا تتأمل شيئاً، هذا الطابع العام يحافظ على علاقة روحية بين شخوص اللوحات، فيجعلها تعيش عالمها المستقل عنا الذي لا نلمح فيه أثرا للصراعات البشرية.
في الأخير، بقي لنا أن نقول إن مظهر نزار فنان يمتلك المقدرة على التواصل مع أشكال الفن المختلفة، يعيش المعاناة الإبداعية بصدق، ويتحدث عن لوحاته بتواضع فنان حقيقي.

ولادة "جماعة الفن المعاصر"

ولأن الفنون التشكيلية تمثل أحد أنماط الإبداع التي تحتاج إلى تمويل مادي جيد والى بنية تحتية فعلية، فإنها قد تأثرت أكثر من غيرها بتدهور الاقتصاد المحلي، هذا الوضع المتدهور كان دافعاً للبعض إلى التفكير في سبل للخروج من دوائر العجز والإحباط هكذا جاءت ولادة جماعة الفن المعاصر التي تم تأسيسها في العام 2000 من الفنانين طلال النجار، ريمة قاسم، مظهر نزار، آمنة النصيري.
ولأن الجماعة آمنت بضرورة تفعيل النشاط التشكيلي وبأهمية الاستمرار في الإنتاج بغض النظر عن المؤثرات السلبية الجاثمة على الوضع الثقافي فقد ارتأت أنه لابد لها من تأمين مقر يكون بمثابة محترف تشكيلي تمارس فيه العمل وتعقد فيه كافة الأنشطة، فتم إنشاء "أتيلييه صنعاء" واختار الفنانون أعضاء الجماعة أن يكون في صنعاء القديمة، تلك المنطقة التي تعج بمختلف ملامح الإبداع الأصيل، وهنا يتوفر لهم التواصل الحيوي مع كل أنواع الموروث المحلي الفني، حيث إن عراقة المكان لابد ستساهم في تأصيل تجارب كل منهم، وستضعهم إزاء أسئلة حول علاقة المبدع بالمحيط الخارجي، وكيفية احتواء تأثيرات الأمكنة في النص المعاصر.
ومع إنشاء الأتيلييه الذي يمثل أول محترف تشكيلي في العاصمة صنعاء، تبنى الفنانون أهدافا كثيرة لعل من أهمها تفعيل الحركة التشكيلية المحلية وإحداث نوع من الحراك عن طريق إقامة العديد من الفعاليات داخل وخارج المحترف،عبر نشاطات تنظمها الجماعة كما تعد للمشاركة في مختلف الندوات والمعارض العربية والعالمية، وتهتم كذلك بالتواصل مع الوسط الثقافي اليمني من خلال اللقاءات الأسبوعية التي تقام صباح كل يوم خميس. بالإضافة إلى ما سبق من أهداف، يحرص الفنانون في هذا المحترف على تبني بعض التشكيليين الشباب وتقديم مختلف أشكال المساعدة لهم، وتوجيههم بما يخدم تجاربهم واهتماماتهم.
أما التوجه الأساسي والأهم الذي من أجله تبلورت الجماعة فيتمثل في تكريس اتجاهات بصرية جادة وخلاقة، لا تنصاع لقوانين السوق ولذائقة السائح الأجنبي اللذين باتا يفرضان قيمهما على العديد من التجارب المحلية ويوجهان نحو الفنون ذات الطابع الترويجي، حيث ترى جماعة الفن المعاصر أهمية الاشتغال على مشاريع ورؤى تؤكد حيوية المحترف اليمني وتكسبه حضورا مشرفا في الخارج ولهذا يمكن أن نلحظ كيف أن جدران الأتيلييه خلال عامين قد اكتظت بعشرات التجارب البصرية للفنانين المؤسسين، كما أن هناك نقلات جوهرية في أساليبهم، وعلى الرغم من أنهم جميعا يلتقون عند أسس نظرية مشتركة تنضوي جميعها تحت منظومة الفن المعاصر، إلا أن مشروع كل واحد منهم يسير في أسلبة خاصة ذات سمات فنية متنوعة فالفنان طلال النجار الذي قدم نفسه بداية كتشكيلي ذي نزعة واقعية ورسم مجموعة كبيرة من اللوحات ذات الطرح الواقعي المتسمة بمستوى وأداء فني عاليين قد اتجه تدريجيا إلى تجريد النص من خلال اعتماده تصاميم تدمج الحروفية العربية بالكتابة القديمة في جنوب شبه الجزيرة العربية على تعدد أشكالها مع إعادة صياغة للموتيفات البصرية القديمة والمرمزة المعبرة عن جذور الحضارة الإنسانية كل ذلك يستدعيه في إنشاءات إبداعية لا تخلو من طرح فلسفي. وبالولع نفسه يشتغل طلال النجار على القيم التشخيصية وعلى العمارة لكن خارج دوائر التشبيه ضمن ممارسته التجريدية حيث ينتج تكوينات تصميمية متماسكة تختصر الإنشاءات المعمارية إلى إيقاعات لونية مزخرفة تستقطع مساحات محددة من الأبنية تختزل فيها ملامح الأمكنة وروحها وهو بذلك يحيل الحيز المكاني على سطح اللوحة إلى أنموذج جمالي يخلص الوعي البصري من المشابهة السلبية مع المشهد المادي ويكرس في الوقت ذاته بلاغة الفنان في تمثل المكان داخل صيغ بصرية تكشف منظومة الرموز والدلالات التي قد لا تلحظ في مواقعها التقليدية على جدران المنازل العتيقة والمعبر عنها من خلال النظام الزخرفي.
إن الفنان يخضع القيم الشكلية في مشهدية المدينة "صنعاء" للعلاقات البصرية النابعة من استجاباته التجريدية المرمزة وهو الذي تسكنه صنعاء وتلقي عليه بكل محمولاتها يحاول أن يصفها من خلال تكثيف العلائق الجمالية واعتماد الشكل المتخيل مع إقصاء للتفاصيل اليومية التي قد تثقل المشهد إذ إنه يؤمن باستقلالية هذا النمط من التعبير عن الصور الفعلية. ولذا تصبح التصاميم ذات البناء الهندسي المعماري أمكنة مجازية تستدعي التاريخي والميثولوجي عبر بنية الرموز المتداعية التي تنفتح على معان كثيرة وتجعل من الحيز المتخيل أشبه بتعويذة وتميمة سحرية تحفظ روح المكان ونقاءه.
 
 
جميع الحقوق محفوظة.. عناوين ثقافية                                             تصميم: مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي