فنون
شوبان .. أمير الرومانسية
الأحد , 7 فبراير 2010 م طباعة أرسل الخبر
 أحمد فاضل
لماذا نعشق شوبان ؟
سؤال تردد على شفاه الملايين وهم يتوهون مع موسيقاه التي حملتهم الى عوالم اخرى سحرية .
" آدم زامويسكي " أجاب عن هذا السؤال في كتاب صدر العام الماضي وأطلق عليه أمير الرومانسيين ، تناول فيه قصته مع " جورج ساند " ، كيف بدأت وكيف انتهت ،حيث كانت ساند امرأة رائعة وروائية ممتازة وكاتبة مسرح وناشطة في مجال الاصلاح السياسي ، وأول امرأة عصرية متحررة على حد تعبير نوبل جيرسون وهو واحد من كُتاب سيرتها ، وقد نجحت في الطلاق من زوجها وحافظت على السيطرة على اطفالها ، اما علاقتها بشوبان يقول جيرسون عنها : ( شوبان لم يكن سوى واحد من العديد من مشاهير الرجال الذين شكلوا علامة بارزة في حياتها ، لكنه كان يعتبرها حب حياته - حبيبة وأم وممرضة ورفيقة مؤنسة - لكن هذه العلاقة انهارت عام 1847 ومن الصعب أن نعرف اسباب هذا الإنهيار، لكنها أقاويل كما يعترف جيرسون بأن  ابنتها سولانج وزوجها النحات أوغست شكلا محورا رئيسيا في إنهاء هذه العلاقة ، ومن المثير للسخرية أن أوغست نفسه صنع قناع موت شوبان وبالتالي ضمن مكانة مرموقة في التاريخ بسبب تخليده لوجه هذا الفنان العظيم ، وبعد عامين من هذا الفراق توفي شوبان وقد وجد في الجزء الخلفي من يومياته خصلة من شعر ساند لازالت موجودة لحد الآن في متحفه ) .
أما عن لقاءه بقيصر روسيا فيعود زامويسكي بنا الى شوبان وهو لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره حينما حط في روسيا آنذاك ليعزف امامه على البيانو الذي توحد معه وكأنهما امتزجا ليكونا قطعة واحدة مما جعل من القيصر ان ينهض لتحيته واهداءه خاتمه الثمين عرفانا وافتتانا بهذه العبقرية.
آدم في هذا الكتاب يسعى لاكتساح مجموعة الاسئلة التي تراكمت عن عبقري الموسيقى الذي اعطى من روحه ترنيمات سماوية حتى ودعنا وهو لم يبلغ من العمر سوى تسعة وثلاثون عاما .
وفي بحثه عن إعادة تقييم حياة وعمل فريدريك شوبان ، تطلب منه الرحيل الى دائرة المحفوظات في وارسو وكراكوف وباريس ولندن لينتهي عند صورة شوبان الجياش العاطفة والحسّاس حتى مع علاقاته النسائية والاصدقاء ، وعلى الرغم من إعتلال صحته ونقص وزنه واصابته بالسل الذي فتك بأوربا آنذاك ، إلا انه قاوم حتى انهار في أوج شبابه ، ومرضه ذاك جعله يتحمل التليف الكيسي الذي أصابه والمعروف عن هذا المرض انه يعزل صاحبه ويجعله عًرضة لتغيير طبائعه والتأثير العميق على شخصيته وسلوكه ويجعله يشعر بأنانية كبيرة تجاه مجتمعه ، حتى يسحبه رويدا رويدا نحو الجنون ، ويفقده شهيته حتى الجنسية منها ، انه يشوه توازنه النفسي مما يؤدي بصاحبه نحو أوهام وتقلبات عنيفة في المزاج بين الاكتئاب والإبتهاج ، واللامبالاة ، والإثارة ، والكسل ، ونوبات محمومة ، كل هذه الاعراض لم تؤثر على شوبان فقد حاول ان ينسى مرضه بالموسيقى ، وصمد أمامه صمودا عجيبا جعله - كما يقول مؤلف الكتاب زامويسكي - يطالع حتى تلك الكتب التي تتناول هذا المرض ومع انه كان كثير الترحال إلا انه في رحلته الاخيرة عبر القنال الإنكليزي الى باريس ، كان كثيرا ما يتناول غداءه من الحساء واللحم البقري المشوي والخمر وجالد كثيرا حتى لاتموت شهيته كما كان يقرأ عن مرضه الشيئ الكثير .
زامويسكي في كتابه يعتقد ان شوبان وباخ وديبوسي على مرتبة واحدة ، إلا انه تفوق عليهم في تطويعه لآلة البيانو فقد كان عزفه يتمتع بسحر عجيب ، وفيه شعر واصالة وبلغ حد الكمال في كل معانيه ، وانه نجمة المساء الحلوة التي اضاءت فقط للحظة واحدة ثم توارت باستحياء ، هكذا وصفه كاميل سان سانس ، والشيئ الذي يمكن ان نتذكر فيه هذه العبقرية التي سيحتفل العالم به الشهر المقبل بمناسبة الذكرى المائتين لولادته هو ان نقدم هذا الكتاب لاحبائه حتى يكون الى جانبهم وهم يستمعون الى موسيقاه ويقرأون شيئا عن حياته *
بالرغم من عمره القصير فقد قدم لنا مجموعة كبيرة ورائعة من المؤلفات الموسيقية ، مستوحيا تلك المقطوعات من الرقصات الشعبية والتي كان يزخر بها الفولكلور البولندي مثل رقصة " البولونيز " ، فوضع " ليالي بنات الحور "وهي من الحان الباليه أو ما يعرف ب "السولفيد " ، وقد تميزت كل قطعه الموسيقية برومانسية كبيرة وحالمة تتفق مع روحه الصافية النقية التي أكلها المرض ودفن في باريس التي أحبها وقبره يشهد مع كل مناسبة من مناسبات ولادته زوارا كثيرون ينثرون عليه الزهور وهم ينصتون لرجع موسيقاه وهي تتغلغل في أرواحهم كأنها نسمات عطرة هبت لتوقظ فيهم ذكريات من شوبان تحوم حولهم وتسمعهم آلامه وفرحه .

* صدر هذا الكتاب عام 2009 وقبل ان يحتفل العالم بمرور مئتي عام على ولادته .
* مايكل وليامز/ ناقد وكاتب انكليزي
* صحيفة / الديلي تلغراف اللندنية


جميع الحقوق محفوظة.. عناوين ثقافية                                             تصميم: مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي