فنون
الموت والعذراء .. المخرج ابراهيم حنون// محاولة في الذهاب نحو الحياة
الأربعاء , 27 مايو 2009 م طباعة أرسل الخبر

علي حسن الفواز


ارادة الانسان هي جوهر ارادة البطل الاثير الذي يملك حقا اخلاقيا في التصريح عن اسئلته الوجودية والفلسفية دونما شعور بالخوف والعي، او ربما دون احساس بان شجاعته في هذا التصريح هي محاولة للتنصل من نبوءة الانسان الذي يرى ويحلم ويواجه قسوة انتهاكات جسده وفداحة موته العلني..
عبر اشتغالات وعي صادم، وعبر غواية لامتنهائية لاثارة المزيد من اسئلة الانسان المنتهك الواقف عن مفترق طرق بين ان يظل ضحية او ان يصبح دكتاتورا او قاتلا، حاول المخرج ابراهيم حنون اثارة فزعه العالي ازاء هذا الشجن، شجن الانسان، والارادة، واسئلة الحرية والوجود والقوة والبقاء او محو الاخر، استغور خفايا كائنه(البطل الضحية، والبطل المنتهك) عبر لعبة تبادل ادوارهما..
في هذه المسرحية يبدو المخرج هو البطل الثالث الذي يرسم يرسم خطوطا لشخصياته، يضعهم امام فضاء شائك من الخيارات، هو لايحدد لهم موقفا بعينه، او يدعو بطليه لالغاء لعبة تبادل الادوار، بقدر ما يرسن لهما عبر سينوغرافيا مثيرة وبسيطة في آن(اعدها الفنان فلاح ابراهيم)، ربط فيها المخرج بوعي تشكيلي/بصري بين متعة التجريد وقسوة التجسيد، على مستوى بناء الشخصيات ورسم مساراتهما النفسية واللغوية، وعلى مستوى صناعة المشهد الذي بدا بتتابعه وتصاعده وكأنه يرصد برعب صعود الازمة، ازمة مواجهة الانسان لذاته ولقاتله، مثلما هي مواجهة الخارج المرعب الملتبس الفاقد للكثير من شروطه القيمية والانسانية والاخلاقية، اذ يكون الانسان البطل امام ثنائية خروجه من محنة الهيمنة وسقوطه في محنة الخذلان، وبالعكس. هذا المشهد الذي يكتنف الجو العام للمسرحية يبدو واحدا، تتطور مستوياته ومساراته تحت منظور المخرج الذي اراد ان يواجه ازمة الانسان امام الانسان ذاته، وتحت ايقاع تشظي ازمة هذا الانسان في الواقع والمعنى والانتماء، وازمة تفكك المركز الوجودي والاخلاقي الى هوامش متضادة او متعاكسة..
في مسرحية(الموت والعذراء) التي اعدها واخرجها الفنان ابراهيم حنون عن الكاتب المسرحي التشيللي الاصل(اريل دورفمان) يبدو العنوان اكثر تغريبا عن فكرة المسرحية في ثيمتها العراقية، فالبطلة المنتهكة الفاقدة لرمزية العذراء والتي ادتها باقتدار الفنانة(ميلاد سري) ليست وحدها من يعاني من هيمنة الاحساس بالموت والحاضر بكثافة عبر(تضخيم لغوي، واستعارات حركية) وضعها المخرج في سياق تعبيري نفسي، وجد في فضاءات السينوغرافيا مجالا متميزا لصناعة المشهد وليس لتقديم الفكرة، اذ ان الفكرة الواقعية حاضرة بافراط، لكن المشكلة تكمن في الطريق الى هذه الفكرة، هذا الطريق المفتوح على رعب الاختيار وتعدد مستويات قراءته، ومفتوح كذلك على قلق الشخصية وتاريخ خوفها، وقدرة ارادتها على ان تتجاوز لعبة قاتلها المباشر اتجاه الايهام باستحضار قاتل رمزي، هو قاتلنا جميعا منذ فجر الظلم والاستعباد على هذه الارض..
كل ابطال المسرحية واقعون تحت احساس ايهامي مرعب بهذا الموت النفسي والاخلاقي والمكاني. الطبيب الذي يعيش ازمة تماهيه العميق مع السلطة القديمة وسجنها الكبير حدّ ان يتحول الى مغتصب رمزي للاخرين عبر ادواتها، والزوج يعيش احساسه بالموت الاعتباري لانه يعيش ازمة انتهاك زوجته، وازمة احساسها المريع بالانتقام. فضلا عن حضور ممثلي روح النص الذين يمثلون علامات ايحائية لاشكال الموت المتعددة، فهم شهود على موت الاخرين، او هم ادواته احيانا، او هم علاماته التي تصنع فضاء هذا الموت من خلال ضجيج موسيقى شوبيرت الموحية بالاحساس بالمتاهة.
هذه المسرحية تطرح اسئلة وجودنا المعاصر، واحسب ان الايهام بان فكرة الثأر هي عدالة هوجاء كم يقول فولدر المسرحية، هو تبسيط لهذه الفكرة، اذ ان طبيعة العلاقة بين الضحية والمنتهك/المغتصب هي اكثر اشكالية، فضلا عن كونها علاقة تحتمل الكثير من الرمزية والتأويل، وان الايهام بان الزوجة يمكن ان تكون هي القاتل الجديد او المنتهك الجديد، هو الاخر محاولة في تجريد تاريخ الذكورة السلطوية من مرجعياتها(وقوف الزوج قلقا شكوكا مرتابا امام حقيقة مسوؤلية السلطة عن انتهاك زوجته) هذه الاشارة لاتحتمل الايحاء الى تأنيث القسوة، او ان المرأة الاكثر انتهاكا هي التي تعيد علاقة الحياة بكل تاريخ احزانها مع السلطة المهيمنة والقهرية، بقدر ما تبدو لي محاولة الى اضفاء مسحة انسانية استثنائية تلامس جوهر انتهاك الانسان المنتج للحياة والجمال.
لقد تمكن ابراهيم حنون من ادواته، الفضاء المسرحي والشخصيات، واعطى عبر توظيفه المكان/الديكور المحمول على ترميزات تقاطع الطرق والسجن واقبية القتل والاغتصاب، فسحات واسعة للتعبير عن المزيد من الافكار التي تتواشج بين فلسفة الاختيار وبين اذكاء روح الانتقام، ليظل الانسان حاملا غرائبية اسئلته وخوفه التي لانتهي والتي يمكن ان تتجدد مع كل سلطة يمكن ان تستتخدم الموسيقى والوعي في تأليه فكرة موت الاخر العدو والمنتهك حدّ التماهي معه والحلول في اشتراطاته النفسية واللغوية والتعبيرية التي وجد المخرج في اختيار موسيقى شوبيرت دليلا على حضورها وقسوتها في الان ذاته..
 

 

جميع الحقوق محفوظة.. عناوين ثقافية                                             تصميم: مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي