عناوين النقد
الأدب المقارن .. بين البدايات والتطور
الأربعاء , 12 نوفمبر 2008 م طباعة أرسل الخبر
يسري عبد الغني عبد الله *
 
يقصد بالأدب المقارن بيان الروابط الأدبية العالمية ، وهو لذلك يقوم على وجود الصلات بين اللغات والحدود الجغرافية للأمم والشعوب ، ويلحظ فيه تبادل الموضوعات والأفكار بين آداب إنسانية عدة ، وذلك عن طريق المبادلات الأدبية التي تلعب دورها في هذا المجال .
والحديث عن نشأة الأدب المقارن يعني في المقام الأول الكلام عن بوادر عملية التأثير والتأثر لدى أية مجموعة بشرية ، وبيان مدى ارتباطها بأية مجموعة بشرية أخرى وذلك عن طريق اتصال آدابها .
وعندما نكتب عن الأدب المقارن ، أو أي موضوع من الموضوعات التي يتناولها ، من الطبيعي أن نعود إلى المراجع التي تعرف بالأدب المقارن ، ونشأته وتطوره ، وأهم القضايا التي يعرض لها ، فنعود إلى المكتبة العربية ، لنجدها مازالت على حالها في هذا المضمار منذ صدور كتاب (الأدب المقارن) للدكتور / محمد غنيمي هلال ، وكانت آخر طبعة له ـ حسب علمي ـ سنة 1965 م ، وهذا الكتاب بحث تركيبي (سانتيز) ، يقدم للقارئ العربي مادة كتابين مشهورين يحملان نفس العنوان لمؤلفين فرنسيين هما : فان تيجم و فرانسوا جوبار ، وقد صدرت لهما ترجمتان للعربية ، الأولى : ترجمة صدرت عن دار الفكر العربي بالقاهرة ، بدون تاريخ ، والثانية : صدرت ضمن سلسلة الألف كتاب الأولى بالقاهرة ، سنة 1956 م ، بقلم الدكتور / محمد غلاب .
و مما لا شك فيه أن جميع الكتابات العربية التي تناولت موضوع الأدب المقارن حتى وقتنا الراهن تأثرت بشكل كبير وواضح بمادة : فان تيجم و فرانسوا جوبار ، وبما أضافه الدكتور / غنيمي هلال ، وبالطبع نحن بدورنا لا ننفي استفادتنا من هذه المراجع ، وكذلك ما صدر بعد ذلك حتى كتابتنا لهذه الصفحات .
نعود فنقول : إن الدكتور / محمد غنيمي هلال قد بذل جهداً كبيراً في محاولة تقريب الأسماء والأمثلة التي تفيض بها بحوث الأدب المقارن عادة ، إلى ذهن القارئ العربي بواسطة التمهيد لها والتعليق عليها في أحيان كثيرة ، والاستعانة بأمثلة متعددة عن الأدب الفارسي وعلاقته بالأدب العربي ، استمدها من بحثه الذي قدمه لنيل درجة الدكتوراه ، وكان عنوانه (تأثير النثر العربي على النثر الفارسي في القرنين الخامس والسادس الهجريين) ، ولكن الكتاب مع كل هذا الجهد القيم يسجل لنا مرحلة معينة من مراحل التأليف في مادة الأدب المقارن التي مازالت تواصل السير والتقدم في ظل ثورة الاتصالات التي يحياها عالمنا .
وعليه فإن الباحث في الأدب المقارن قد يجد صعوبة بالغة أو قد لا يستطيع الحصول على كتاب في المكتبة العربية يعكس بصدق وجلاء حال الدراسات الحديثة في الأدب المقارن ، والذي يضيف امتداداً وتكملة إلى ما سبق أن عرفناه عن هذه البحوث في فترة الخمسينات من القرن العشرين .
ولكن الدكتور / رجاء عبد المنعم جبر اتجه إلى المكتبة الفرنسية فوجد أن أوفى كتاب ، أو أحدث كتاب نسبياً في هذا الميدان ، صدر سنة 1968 م ، هو كتاب (الأدب المقارن) من تأليف كلود بيشوا الذي كان يعمل بجامعة بال ، وأندريه روسو الذي كان يعمل محاضراً بجامعة إكس آن بروفانس ، فاتخذه أساساً لمحاضراته التي ألقاها على طلبة كلية دار العلوم ، جامعة القاهرة ، في العام الجامعي : 1973 م / 1974 م ، تحت عنوان (مذكرات في الأدب المقارن) ، وذلك بعد أن قام بترجمة الجانب الأكبر منه إلى اللغة العربية ، ودون أن يهمل الانتفاع بالمؤلفات الثلاثة السابق الإشارة إليها .
ولكن هذا لا ينفي الباتة أن هناك العديد من الدراسات والأبحاث قد صدرت بعد ذلك عن الأدب المقارن ، وذلك باللغات الأجنبية وباللغة العربية ، وبذل أصحابها فيها الجهد المشكور .
على كل حال فإن الشائع لدى الباحثين عند الكلام عن الأدب المقارن ونشأته ، يرجعون هذه النشأة إلى نطاق ظهوره في أوربا ، وبالذات في فرنسا ، حيث بدأ هذا العلم ظهوراً ونشأة ، ثم اكتمل وأصبح علماً مستقلاً كغيره من العلوم الإنسانية واللغوية الحديثة .
ففي فرنسا ازدادت كراسي الأدب المقارن في جامعاتها بالتدريج ، وبالتالي توسعت الدراسات والأبحاث في كل الجامعات الفرنسية ، حيث اعترف به وأصبح مادة رئيسية في الدراسات الأدبية ، فكل كلية تملك كراسي منه ، وعلى سبيل المثال يملك (الإجرجاسيون) مكانة مهمة في هذا المجال .
كما أن هناك الجمعية الفرنسية للأدب المقارن التي تعقد مؤتمراً علمياً كل ثلاث سنوات ، في نفس الوقت الذي نجد فيه دعوة مستمرة تهدف الترويج لدراسة هذا العلم والسعي من أجل نشر إطروحاته وأبحاثه ودراساته ، كما أن هناك نظاماً متكاملاً ومتوازياً يتبع مع المبتدئين والباحثين في دراسة هذا العلم ، وكذلك الذين قطعوا مراحل متقدمة فيه .
ولهذا يقال : إن فرنسا هي الدولة الوحيدة التي تقدم دراسة مقارنية للآداب ، في كل مكان ، وعلى جميع المستويات ، فهي تمثل المدرسة الأوربية حق تمثيل ، إلا أن أكثر عيوبها أنها تهتم بالناحية التاريخية والأنثروبولوجية والسيكولوجية ، وتهمل النص الأدبي ، وهذا ما تهتم به مدرسة الولايات المتحدة الأمريكية التي تقدمت بشكل كبير في هذا المجال.
ونحن نلاحظ وجود مقارنات أدبية حدثت بين الشعوب الإسلامية والأمم التي اتصلت بها اتصالاً وثيقاً مما يمكن إدخاله في نطاق الأدب المقارن , ولكننا سوف نتحدث عن تلك النشأة في أوربا لما ذكرنا من اكتمال هذا العلم ظهوراً هناك.
وأولى المظاهر التي تبدأ بها نشأة علم الأدب المقارن في أوربا ، هو تأثير الأدب اليوناني في الأدب الروماني ، وفق ما يسمى بنظرية المحاكاة المعروفة ، فحينما قامت الدولة الرومانية على أنقاض الدولة اليونانية ، حاكى الرومانيون أدباء اليونان وكتابهم وفلاسفتهم ، وكان الأديب اللاتيني أو الروماني تابعاً أميناً للأدب اليوناني متأثراً به تأثراً كبيراً ، اللهم في جنس الخطابة والتاريخ .
هذا ، وقد برزت نظرية المحاكاة في عصر النهضة الأوربية ، فالشاعر الروماني كان عليه أن يسير في أدبه على منوال ما هو موروث عند أدباء اليونان.
يقول هو راس (85 ـ 8 قبل الميلاد) في كتابه (فن الشعر) : اتبعوا أمثلة الإغريق ، واعكفوا على دراستها ليلاً ، واعكفوا على دراستها نهاراً.
ومن كلام هو راس يتضح لنا دعوته بصراحة ووضوح إلى التقليد والمحاكاة لليونانيين في آدابهم .
وكان على الأدب الروماني أن يسير في هذا الاتجاه ردحاً من الزمان ، وكان ازدهاره فيه يقوم على هذا المبدأ الأساسي ، ولا ينسى أيضاً أن تبرز فيه بعض جوانب من الأصالة التي تنم عن شخصية الرومانيين .
كما كان النقد الأدبي الروماني يقوم على أساس ارتباطه بالنماذج اليونانية التي يحاكيها أدباء الرومان ، وعندما جاءت العصور الوسيطة اتصلت الآداب الأوربية المختلفة بعضها ببعض وفقاً لمؤثرات دينية : مسيحية أو شرقية أو عربية.
ثم تلا ذلك عصر النهضة الأوربية أي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ، وفيه ترجم الغرب كثيراً من آثار فلاسفة اليونان وبخاصة أرسطو ، ووضحت أمام الأنظار والأفكار قيمة الآداب القديمة من يونانية ولاتينية .
لقد سارت الآداب الأوربية على منهج المحاكاة للأدب اليوناني ثم الروماني ، وأحدث ذلك ثورة فكرية ، في ذلك العصر ، تطلبت الانفكاك من آداب العصور الوسيطة ذات الطابع المسيحي ، فبرزت في الآداب الأوربية محاكاة أدباء اليونان والرمان متجهة إلى النزعة الإنسانية .
لقد دعا إلى هذه النزعة أو ذلك التقليد كثيراً من النقاد مثل الشاعر الناقد / دورا (1508 م ـ 1588م) ، الذي بين لتلاميذه قيمة المحاكاة التي قام عليها الأدب الروماني في تقليده للأدب اليوناني ، ولهذا الناقد دراسات تعد من أقدم ما نسب إلى الأدب المقارن .
ويرى الناقد الفرنسي / دي بلي (1522 م ـ 1560 م) ، وهو يدافع عن اللغة الفرنسية ، أنه بدون محاكاة اليونانيين والرومانيين لن يستطيع أهل فرنسا أن يمنحوا لغتهم ما اشتهر به الأقدمون من سمو وتأنق.
ويطلب دي بلي من الشعراء والأدباء أن يعودوا إلى الآداب القديمة ونصوصها ، فيغترفوا منها في لغتها الأصلية .
فتلك ـ كما نرى ـ دعوة واضحة وصريحة إلى محاكاة الآداب القديمة ، وقد أصبحت الدعوة إلى المحاكاة فيما بعد نظرية شبه كاملة عند الكلاسيكيين أو الاتباعيين ، تقوم على تمجيد تراث اليونان والرومان للإقتداء به .
فكل أديب أو شاعر مدين للسابقين ، ولا يستطيع بأي وضع من الأوضاع أن يستقل عنهم ، وعلى كل أديب أن يختار النماذج التي يحاكيها بعد أن يميز الصحيح من الزائف ، وأن يقتبس ما يتفق مع عصره ، وألا يحاكي الكاتب أدباء من نفس لغته .
كما أن النقد الأدبي كان في العصر الكلاسيكي أي في القرنين السابع عشر والثامن عشر يقوم على أساس التقليد ، فكان حكمه على الإنتاج الأدبي حكماً قائماً على الأساس التاريخي ، وبيان المصادر التي استقى أو استمد منها الكاتب أدبه .
كما وجدت آثار للاتصال بين الآداب الأوربية المختلفة ، كالصلة بين الأدب الفرنسي والأدب الإيطالي .
وفي القرن الثامن عشر توطدت الصلات بين الآداب الأوربية بوجه عام ،أكثر مما كانت عليه في القرن السابع عشر ، وبدأ الباحثون يتطلعون في شوق إلى معرفة آداب أخرى كالأدب الإنجليزي والألماني في فرنسا ، كما كثرت الرحلات من بلد أوربي إلى آخر ، وكثرت الترجمات المباشرة وغير المباشرة .
وبدأ الأدب يتجه اتجاهاً إنسانياً عاماً ، ومع ذلك لم تبرز الدراسات الأدبية المقارنة بصورة واسعة ، فأكثر مؤرخي الأدب حتى نهاية القرن الثامن عشر لم يكونوا يتجاوزون حدود سرد حياة المؤلفين ، وعرض بعض النصوص من مؤلفاتهم ، وشرح بعض أصول الكلمات اللغوية ، وبعض النكات البلاغية .
ويعد القرن التاسع عشر هو بحق قرن التاريخ الأدبي والأدب المقارن ، كما يذهب فان تيجم ، فقد تقدمت البحوث العلمية ، ونشطت الحركة الأدبية ، وقوي الاتجاه إلى البحث في العلوم الأدبية بصفة عامة ، واتصال الشعوب بعضها ببعض .
وعليه جد العلماء والكتاب في الدراسة والبحث ، وبدأ عاملان مهمان مؤثران في نشأة وتطور الأدب المقارن ، ألا وهما : الحركة الرومانسية ، والنهضة العلمية .
والمعروف أن الحركة الرومانسية بدأت أول ما بدأت في انجلترا ، ثم في ألمانيا ، ثم في فرنسا ، ثم في أسبانيا ، وإيطاليا ، وكان للرومانسية تأثير كبير في توجيه الدراسات الأدبية وجهة مقارنة .
فالكلاسيكيون كانوا يعتمدون تماماً على العقل ، والشعر عندهم لغة العقل ، وليس لغة العواطف أو المشاعر أو الأحاسيس ، فهو لا ينطلق عندهم بناء على نزعات فردية ، بل على ما تراه الجماعة .
الشعر والأدب عند الكلاسيكيين خاضع للمجتمع ، لا لأهواء الأفراد أو مشاعرهم أو خواطرهم ، ومن هنا كانت دعوة الكلاسيكيين الملحة إلى النسج على منوال اليونانيين والرومان ، فلجأوا إلى مبدأ المحاكاة .
يقول الشاعر / بوالو : أحبوا دائماً العقل ، ولتستمدوا منه وحده مؤلفاتكم بكل ما لها من رونق وقيمة .
أما الرومانسيون فقد أنكروا هذا الاتجاه العقلي المحافظ ، واستبدلوا به العاطفة والشعور ، وأصبح القلب عندهم هو منبع الإلهام .
يقول موسيه : أول مسألة عندي هي ألا ألقي بالاً إلى العقل ـ إذن موسيه وغيره من الرومانسيين يهدمون هدماً نظرية الكلاسيكيين ، فالاعتماد الأول عند الرومانسيين على العاطفة والمشاعر ، وهذا الاتجاه راج وانتشر في أوربا خلال القرن الثامن عشر ، ولا سيما في النصف الثاني منه .
لقد كان الذوق الكلاسيكي يقوم أساساً على التقليد لذوق اليونانيين ثم الرومانيين ، لكن الرومانسيين يجعلون الذوق الأدبي معتمداً على الأفراد الذين يستجلون القريحة ، ويبرزون عبقريتهم الإبداعية .
وقد ثار الرومانسيون على الغاية الخلقية للأدب عند الكلاسيكيين ، فالأدب الكلاسيكي يقوم على أساس أن الحق ينتصر في النهاية ، ينتصر دائماً وأبداً على الباطل مهما كانت الظروف والملابسات ، ثم أن الخير والشر مقدران في حياة الإنسان تقديراً دقيقاً ، فإذا قام صراع بين العاطفة والواجب ، تحتم انتصار الواجب ، لأن الإرادة التي هي وليدة العقل يجب أن تسود جميع المشاعر والعواطف .
بيد أن الرومانسيين يخالفون ذلك ، فيرون أن الأدب ما هو إلا استجابة طبيعية للعواطف والمشاعر الإنسانية ، فعلى حين كان الأدب الكلاسيكي محصوراً في دائرة المحاكاة أو التقليد ، وكان أدباً محافظاً , نرى الثورة الرومانسية تأخذها الشفقة والرحمة للجنس البشري كله ، وتريد أن تحظى الطبقات الدنيا والمتوسطة بما تحظى به الطبقة الأرستقراطية من نعمة وجاه .
كما يتطلع الرومانسيون إلى مجتمع مثالي تعطى فيه الحقوق لكل الناس ، ويمكن من وجهة نظرهم الأدبية أن يتقل الإنسان بسهولة ويسر من الطبقة الدنيا الفقيرة إلى أعلى طبقة في المجتمع ، ولا ضر ولا ضرار في ذلك .
الرومانسيون لم يعبأوا بما استقر في المجتمع الأوربي من عقائد وأفكار ، وكان همهم الاعتداد بحقوق الفرد في مواجهة التقاليد الاجتماعية التي لا تعترف بهذه الحقوق ، وعليه ظهر الأدب الرومانسي بصورته الثائرة معتمداً على إنتاج الفرد وجهده وعبقريته ، ومن ثم فيجب أن يستمد الأدب من الحياة والبيئة والواقع المعاش ، فيؤثر في الحياة ويتأثر بها .
وقد ظهر أثر الحركة الرومانسية في الأدب المقارن ، فأصبح كثير من النقاد يرون في أدب أوربا الحديثة كُلاً واحداً تنضوي أجزاؤه المختلفة على اختلافات وتشابهات ، وعلى هذا الأساس كان جوته الألماني ، في عام 1827 م ، يتحدث عن الأدب العام ، على أنه مجموعة من الآداب الخاصة ، ينبغي أن نحسن النظر إليها ، حتى لا نكون فريسة أخطاء قومية.
ومن هنا ظهرت عالمية رومانسية تاريخية تهتم وتعنى أكثر من العالميات التي سبقتها بالاختلافات القومية ، وتسلم بوجود أدب عام ، وتحاول أن تفهمه .
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* باحث ومحاضر مصري في الدراسات العربية والإسلامية
Email: ayusri_a@hotmail.com
جميع الحقوق محفوظة.. عناوين ثقافية                                             تصميم: مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي